حين كنت دون الخامسة، لم تكن هناك روضة أطفالٍ قريبة من بيتنا، الكائن في حيّ الوعر / حمص. الأمر الّذي اضطرّ والدَي، الموظّفَين الحكوميين، إلى الاستعانة بالخالة “فاتن”، جارتنا التي تسكن في الحيّ المجاور.
كانت أمّي توصلني إلى بيت الجارة، تتركني هناك، ألعب وآكل وأراقب وأمرح، إلى حين عودتها من دوامها الوظيفيّ.
زوج الخالة فاتن هو الحاج أديب. رجلٌ تقيٍّ وورعٌ وصاحب دين. لم يكن يفوّت صلاةً ولا يقطع فرضاً..
كنت، إذا شاهدت الحاج أديب يفرد سجّادة الصلاة الحمراء، أتحضّر وأقف بجواره. أنحني حين ينحني، وألامسُ الأرض بجبهتي، تماماً كما يفعل، ثمّ أستقيم وأردّد “الله أكبر”.
بالنسبة إلى طفلٍ في مثل سنّي، كان ذلك الطقس مسلّياً للغاية. تقليد الكبار، على وجه العموم، يُمتع الأطفال ويستهويهم.
تالياً، أخذني والداي إلى الكنيسة. كانت تلك أولى الزيارات.
وقفت في الصالة المهيبة أتأمّل الناس، وأسمع بعضَ المفردات السوريانية الملحّنة على مقام الهُزام “قاديشات آلوهو قاديشات”. رائحة البخور تملأ المكان. صليبٌ كبيرٌ يتصدّر الهيكَل. الكاهن يقف على سجّادة حمراء هو الآخر. ربّما أدركت، بحساسية الطفل في أوّل وعيه، أنّ هذه صلاةٌ أيضاً.
غافلتُ والدَي، وتقدمت من المكان الّذي يقف فيه الكاهن. جاورته مديراً ظهري لما يزيد عن ثلاثمائة مصلٍّ. ثمّ ركعت على ركتبيّ، وانحنيت برأسي حتّى لامسَ الأرض وقلت ملء صوتي “الله أكبر”.
ضحك بعض الحاضرين. البعضُ الآخر تأفّف وتمتم وتذمّر. اندفعت والدتي نحوي بسرعة. حملتني وخرجت بي من الكنيسة خجلةً من “خطيئة” ابنها.

ذات يوم، اضطررت لمحاججة شابٍّ ظلّ يصدّع رأسي بضرورة تقسيم سوريا، فالواقع أكبر من “تنظير التآخي” الّذي يسوّق له من يشبهني

في البيت، ارتبك والداي وهما يحاولان أن يشرحا لي الفرق بيننا وبينَ الخالة فاتن. اضطرّا للخوض في معاني المسيحية والإسلام. ووجدا نفسيهما مجبرين على البحث عن أجوبة تُشبع فضول الطفل الّذي تنبّه إلى الوجوديات.
“يعني الله تبعنا غير الله تبع الخالة فاتن؟”. اضطربت أمّي قبالة هذا السؤال، ولم تجد ما تقوله لي، فتجاهلته وحرفت اهتماميَ نحو صنف حلقة الكابتن ماجد الّتي بدأت توّاً..
كبرت على قاعدة “نحن” و”هم” وصولاً إلى نهايات المراهقة، حيث رحت أجادل في كلّ شيء وأشكّ في كل شيء، ثمّ انقلبت على المسلّمات كلها..

الحرب
في الحرب، ازداد المنقسمون انقساماً، وصارت الـ”نحنُ” والـ”هم” أكثر تطرّفاً، وبتنا نحنُ، الّذين ننظّر لخطابٍ جامع، متّهمين بـ”رشّ السكّر على الموت”.
ذات يوم، اضطررت لمحاججة شابٍّ ظلّ يصدّع رأسي، مدة نصف ساعة كاملة، بضرورة تقسيم سوريا، فالواقع أكبر من “تنظير التآخي” الّذي أسوّق له أنا ومن يشبهني.
ثمّ سُألت عن سبب محبّتي لـ”هم” بعد كلّ الخراب الّذي أنتجته الجماعات الإسلامية في سوريا.
حكيت للحاضرين عن الخالة فاتن، وعن زوجها، وعن أولادها. حكيت لهم عن العائلة التي شاركت والدَيّ في تربيتي مدّة عامين كاملَين. قلت لهم عن ذاك البيت الفقير الكريم وعن أهله، ثمّ سردت قصة الكنيسة و”الله أكبر”..
حينها فقط، خطر لي أنّ من يحاججني، ومن يماثله، جميعهم، قد سألوا ذات يوم عن الفرق بين “الله تبعنا والله تبع الخالة فاتن”، لكنّهم لم يجدوا من يحرف انتباههم نحو حلقة الكابتن ماجد. ولعلّ محدّثهم رسّخ لهم الفوارق وكرّسها، وجعل فكرة “نحن” و”هم” تسيطر على يوميّاتهم حتّى تتحوّل إلى “لايف ستايل”.
بالعودة إلى انقلابي على المسلّمات.
ذلك الانقلاب لم يعنِ لي، للحظة واحدة، أن “نحن” و”هم” ليستا فكرتين أصيلتين في مجتمعنا. كلّ ما فعلته أنّني أعدت رسم الاصطفاف، فـ”نحن” بالتعريف، هي من يشبهنا، عائلة الخالة فاتن وعائلتي والّذين يدينون بالمحبة أولاً، و”هم” بالتعريف، هي الآخرون كلّهم.