حمص/ حي الوعر/ 1997 – طفولتي

تعرّضت إلى حادثتين اثنتين يمكن أن تؤسّسا إلى موضوع المدوّنة.
كنت أسير مع تامر وأنس، اثنان من أولاد حارتنا، ولستُ أدري كيف دحرج منطق الأطفال الحديثَ إلى ثنائيّة “إسلام ومسيحية”، فتناوب الفتيان على تعنيفي، أنا المسيحيّ المنتمي إلى “أقليّة حاراتيّة” إذا صحّ التعبير، حيث قالا لي “أنتو سبب الفلتان بالحارة”، “أنتو يلّي عم تدرّجو بيناتنا عادات ما بترضي رب العالمين”، “أنتو بتلبسو على كيفكن”.
أمام “ردحهما” الّذي لم يهدأ، لم أجد وسيلة للدفاع عن “أنتو” الّتي كنت أنتمي إليها، فعدت باكياً إلى البيت، وقصصت على والدتي ما جرى. يومها طلبت منّي ألّا أتفوّه بحرفٍ أمام أبي، ولم أُدرِك جدوى التكتّم على الحادثة حتّى تشاجرت مع طاهر.
يوم تشاجرت مع طاهر، اصطفّ معه بعضُ أصدقائه، ووجدتُنا، شقيقيَ الأصغر وأنا، وحيدَين في مواجهة ستّة صبيان يكبروننا سنّاً. انكفأنا خوفاً. تقدّم طاهر، وأخذ عودَين، قاطعهما على شكل صليبٍ ثمّ طلب من الأولاد أن يبصقوا عليه. المفاجأة أنّهم فعلوا ! جميعهم فعلوا !
يومها حكيت لأبي ما جرى، فوجدته يندفع نحو بيتِ طاهر. تبعته، وسمعته يصرخ، بينما والد طاهر يستجديه.
“الشرطة”. هذه الكلمة الّتي لوّح بها أبي مراراً جعلت الرجل يرتجفُ مثل طفلٍ صغير، وراح يعد بـ”قصّ يديّ ابنه” إن هو أعاد الكرّة وأهان المسيحية ورموزها.

حمص/ حي الوعر/ 2012 – الحرب
أنهت أمّي زيارتها لجارتنا، الّتي يبعد بيتها عن بيتنا قرابة مئة مترٍ فقط، واتصلت بي كي آتيَ وأصحبها إلى البيت، فهي لم تعد تجرؤ على السير وحيدةً في الشارع المكتظّ بالـ”غرباء” الوافدين إلى الوعر من مناطق ساخنة.
مررنا بجوار ثلاثة شبابٍ ملتحين. بادر أحدهم “هي الثورة انعملت حتّى نفضّي البلد منكن”، واستطرد الآخر “من وين بدّو يجي النصر وهي الأشكال بيناتنا؟”، أمّا الثالث، فاكتفى بالتعوذ من الشيطان الرجيم.
ربّما لم يكونوا يعرفون أنّنا، أمّي وأنا، مسيحيّان. لكنّ “سفور” والدتي لم يرق لهم.
حين وصلنا إلى البيت، بسلام، دخلت غرفتي وابتسمت. خطر لي أنّني لو دقّقت في وجوه الشبّان الثلاثة، لوجدت تامر وأنس وطاهر !

أنس، تامر، طاهر، وعبد الباسط الساروت
اليوم، بات السوريّون ينقسمون على الهواء، والطبيعي، في ظلّ هذا التجاذب، أن ينقسموا حول عبد الباسط الساروت، فالبعض يعتبره “إرهابيّاً” قضى، والبعضُ الآخر ينعيه بصفته “حارس الثورة السورية”.
لستُ أكتبُ لأضمّ صوتيَ إلى واحدةٍ من كفّتي الانقسام، إذ أعتقد أنّ هناك ما هو أهمُّ من هذه السفسطة.
الأهمّ، أنّ عبد الباسط الساروت، هو معادلٌ لأنس، ولتامر، ولطاهر. هو مثالٌ عن شريحة واسعة، واسعةٍ جدّاً، من الفتوّة السوريّة المعدّة للانسياق خلف الفكر الأصوليّ، وهذا بيتُ القصيد.
الساروت، وأتحدّث هنا عنه كأصوليّ في مرحلة من حياته، هو نتيجة ذات طابعٍ عموميّ، وليست استثناءً كما يروّج لها البعض.
في دوائرنا أكثر من ساروت. هو نواةٌ طريّة قابلة للتشكيل، وما لم يُتّخذ قرارٌ يقضي بتوجّه أكثر جديّة نحو “علمنة الدولة”، والكلّ يدرك أنّ العلمانية في سوريا ادّعائية وأنّ الحزب الّذي ما زال حاكماً فيها بعيد عنها، فإنّ الساروت سيفرز نفسه مجدداً، وسيتحوّل من حارس مرمى إلى حاملِ سلاح، وسيقتُل ثمّ يقتَل وسننقسم بعيد موته بين من يلعنه ومن ينعيه، ثمّ ننتج ساروتاً آخر… وهكذا.

بالعودة إلى حادثة طاهر. فكّرت مرّة “ماذا استفدنا من الشرطة؟”.
الركون إلى الترهيب لجعل المكوّنات السورية “تقبل” بعضها سينتج مجتمعاً يتظاهر بالإلفة، لكنْ ما إن تغيب سلطة الشرطة/ الدولة، حتّى تعومَ الأصولية على سطح المشهد.
بالنّسبة لي، لم أعتبر تامر وأنس وطاهر خصوماً. هم حاصلُ بيئة، ذات ميلٍ راديكالي، لمّا يشتغل على تعديلها بعد، ولن أُفاجأ إذا قيل لي إنّ واحدهم يقاتل إلى جانب “النصرة” هنا أو هناك، فالإشارات كانت واضحة في طفولتنا، لكنّ أحداً لم يكترث إليها فقطفنا هذا الخراب كلّه.