لم أتفاجأ، بل ربّما ابتسمت مثله، حين أخبرنا أحد في سهرة ما أنّ أمَّه كانت تمرّر السكين على يديه كنوع من العقاب في صغره. لم يكن السؤال الذي طرحتُه في داخلي: “من أين نأتي بكلّ هذا العنف؟” لأنّي وجدتُ تراكُمَه منطقيّا: العنف، كالطاقّة، يتبدّل ولا يختفي.

قد يكون تراكم العنف ـ خصوصًا إن جاء من حرب أهليّة طويلة ـ تبريرًا لإطفاء عود الكبريت على الأصابع، أو لملعقة لا تُستخدم للطبخ فقط، أو لسكّين يُمرّر فوق أيدي الأبناء. لكنّ الزيارة المفاجئة لذكريات العنف تلك، بعدما تلَمّسنا شكلًا مخفّفًا من عنف السلطة السياسيّة اللبنانيّة في الشارع أخيرًا، لها مغزى خاص. فاستحضار الماضي وضع لحظتي الراهنة في سياق، بدت فيه السّلطة (ومن ضمنها العنف) كالطاقّة، لا تُستحدث من العدم، بل تتحوّل من شكل إلى آخر.

كلّ الذي أعرفه عن العنف الذي عاشته أمّي هو قصص قليلة من عائلتها والحرب الأهلية، وكلّ الذي أعرفه عن عنف أبي هو صمته وعقدة حاجبيه، وهديّة “سحبة” تركها، بعد ضربنا، على سريرينا أنا وأخي. ولا أعرف عن عنفي أنا، حتّى الآن، إلّا ما أنتظره.

لم أُعر اهتمامًا للعنف ـ الجسديّ تحديدًا ـ قبل الآن، لأنّه لم يكن عنفًا “حقيقيًا” حينها. كان “بديهيّا”. لم أقابله في أزقة القرية، بل في مكان يلتبس فيه أمره، ويختلط فيه مع الهديّة و”جوّ العائلة”. وبدلًا من التوقف عنده، غُصت في معركة مع الحزن. فاللّذة هناك كانت أقوى، وكنت، وحدي، الطرفين في المعركة.

منذ أقلّ من سنة، عثرت على ورقة في أرشيفي المنزليّ كتبت فيها وأنا في سنّ الخامسة عشر: “ربّما أتصنّع حزني هذا”. هل كنت في “بروڤا” للسنوات القادمة أم كنتُ أصدَق مع نفسي حينها؟ لا أتذكّر سبب حزني، الحقيقي أو المتصنّع، في سنّ الخامسة عشر. لم أكُن بعد أقيمُ في بيروت، كما اليوم، حتّى أعمل فأتقاضى أجرًا لأدفع “أجار” البيت وأتمكن من التفاعل مع مجموعات، سياسيّة وغير سياسيّة، لا تشكّل طبيعة علاقاتها سوى شكل آخر من السلطة السياسيّة التي ترفضها.

السلطة، وبالتالي عنفها، كالطاقّة، موجودة في كلّ مكان. لذلك قد يكون الحزن، الذي وصفته بـ”الجميل” لسنوات، هو الملاذ الأخير في حياةٍ، كلّ ما فيها سلطة؛ الملاذ بمعنى الملجأ والحصن، والملاذّ بمعنى جمع ملذّة أيضًا، والسلطة بما هي أشكال تتجدّد وتتراكم وتتماهى، بحيث يصعب تفنيدها ومواجهة كلّ منها.

أظنُّ أنّي أهربُ من سلطة معيّنة، فأجدني أصطدم بها ملتصقة بنظيرة لها في مكان آخر: العائلة توظّف سلطة المجتمع، وسلطة العمل تؤطّر سلطة رأس المال وعلاقات الإنتاج في “كادر العائلة” حتى تجمّله، وسلطة النظام تحتوي على كلّ ما سبق، وهذه السلطات وغيرها لا تردعها حيطان منزلي، وإن كنت أعيش فيه وحيدًا.

ليس هذا “النظام” بريئًا من أثر الحزن الجسديّ والنفسيّ عليّ، وهو الذي يضعنا مجبرين في دوامة الإنتاج لنكون على صورته ومثاله، وإن انتقدناه خلال عملنا، وفي الشارع، وفي بيانات المجموعات. وبالتالي فإن مشكلتي النفسية والجسدية ليست فرديّة أبدًا، وإن ظهرت كذلك، وعليّ أن أذكّر نفسي دائمًا بهذه الفكرة، كي لا يكون تعبي ورقة رابحة أخرى بيد “النظام”.

هذا الحزن وأثرُه لي، لكنه لن يكون تبرئة للنظام الرأسماليّ وأشكاله السلطويّة من عمل وعائلة وعلاقات، ولا لفناء فكرة لمستها وأنا أكبر، تقول إنّ التغيير سيأتي يسارًا، قبل أن أصطدم بمجموعاته وبالفلك المحيط بها هنا في بيروت والمناطق. كنت قد تجنّبت التسليم بالجملة الأخيرة سابقًا. لكن، أليس ملفتًا ومضحكًا في آن، أن يتحوّل فيملي الوثائقيّ (التجريبيّ) القصير إلى محاولة لتصوير حالتي النفسيّة قبل سنوات، بعدما كانت فكرته الأوليّة التي قدّمتها تضيء على دور المجموعات اليساريّة ومشكلاتها، وتحديدا الحزب الشيوعيّ ومنظمّة العمل الشيوعيّ في لبنان؟

بالصدفة، عثرت على الجملة التي تختصر الصراع الأساسيّ في الفيلم بعد ثلاث سنوات ونصف من كتابتها، وأوّل أربع كلمات كانت: “أجدُ لذّة في الحزن”. وكنت قد اقتبست عن الكاتب سعود السنعوسي ثلاث مرات، منذ بحثت عن قول يصف حزني عام 2013، “الحزن مادة عديمة اللون، غير مرئية، يفرزها شخص ما، تنتقل منه إلى كل ما حوله، يُرى تأثيرها على كل شيء تلامسه، ولا تُرى”.

أخشى أن يكون الحزن كالسلطة، طاقة متجدّدة.

ما زالت معركتي مع الحزن قائمة، ولا أزال أنا الطرفين. فيما السلطة لا تنفكّ تتجدّد. أمّا بالنسبة للعنف، فإنّه آتٍ، في الشارع، وأنا أنتظره. والأكيد، حتى الآن، أنّه لن يكون ثوريًّا.

المزيد من هذا المؤلف

 
×