تستمر التعبئة العامة للأسبوع الخامس على التوالي، ويقبع الناس في بيوتهم ريثما ينحسر انتشار فيروس “كورونا”، فيما يُرجّح أن يطول أمد الحجر الصحي القسري حتى شهر حزيران/يونيو. تحرص الأجهزة الأمنية كما البلديات على قمع أيّ مخالفة للتعليمات الرسمية، وإن بأشكال غير مسوّغة قانونياً أحياناً. أما وسائل الإعلام، لا سيّما المرئية منها، فدأبت على إملاء التوصيات الصحية والإرشادات الوقائية على مدار الساعة بنبرة آمرة وناهية على المشاهدين المتسمّرين أمام الشاشات، حتى وصل الأمر ببعض القنوات التلفزيونية إلى الذمّ بمن يخالف القوانين المستجدّة.

في هذه الأثناء، ينتشر خطاب ”إيجابي“ وسط حالة الهلع المستشرية عالمياً، يدعو الناس لممارسة نشاطات منزلية لم يتسنَّ لهم فعلها خلال الأيام الطبيعية (طبيعية؟) بحكم الانشغال بالحياة الخارجية، كمشاهدة الأفلام والقراءة والتريّض والتأمل وتنمية الهوايات والقدرات الشخصية وغيرها، بغية الحفاظ على إنتاجية عالية وتبديد الملل وتجنّب موجات القلق والاكتئاب المحفَّزة بالعزل الاجتماعي. إذا غضينا الطرف عما يحمله هذا الخطاب من ضغط وتنافسية، برغم النوايا السليمة، نجد سؤالاً ملحاً يطرح نفسه: إلى من يتوجّه المحدّثون به فعلياً؟ وهل يُختزل القلق بكونه ”عارض جانبي“ للحجر؟

القلق فينا خوفٌ مستدام، نراه يتخّذ هيئة أرقام كلّ يوم: كأسعار الوقود والطحين والأدوية والمواد الاستهلاكية، وانخفاض سعر صرف الليرة مقابل الدولار بأكثر من 100% في الأشهر الستة الأخيرة، ونسب الفقر التي حذّر “البنك الدولي” من احتمال تجاوزها 50% من اللبنانيين مع نهاية 2020، ومعدلات البطالة (المتأرجحة تقديراتها في ما يخصّ القوى العاملة اللبنانية، والتي لامست 90% في أكبر المخيمات الفلسطينية عين الحلوة – بحسب مصادر من المخيم وتقارير صحافية)، وملايين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة التي ثار جدل إعلامي وقضائي في الآونة الأخيرة بشأنها، والـ 94 مليار دولار التي قبضتها المصارف كفوائد خلال الأعوام العشرة الأخيرة، نحو ثلثيها من المال العام ونحو ربعها أرباح، بالإضافة إلى مليارات الدولارات التي سلبتها من الشعب خلال السنوات الثلاث الأخيرة عبر الهندسات المالية. والقلق، فوق كلّ هذا، يتمظهر اليوم أيضاً بوجهه الآخر، في شكل فيروس نعجز عن مواجهته بغير التفادي واعتماد أساليب الوقاية.

للقلق هذا وجهٌ طبقي أيضاً تطبَعُ ملامحه نفوس الفقراء المهددين بلقمة عيشهم، وهُم يخوضون معركة البقاء يومياً ضد النظام الرأسمالي لتأمين تكاليف السكن والدراسة والطبابة بأحقر مستوياتها. وفيما يهدّد خطر “كورونا” حياتنا، تنهمر التوجيهات الصحية القائلة بغسل اليدين مدة 20 ثانية، والالتزام بمسافة آمنة لا تقل عن مترين، واعتماد نظام غذائي صحي لتقوية المناعة، وارتداء الكمامات والقفازات الطبية، والمثابرة على التعقيم والتطهير… يأخذ بها كثر باعتبارها حلولًا بديهية ومتوفرة، إلا أنها مستحيلة بالنسبة لطبقة الأكثر فقراً، إذ يعجز كثير من سكان ضواحي بيروت والأحياء العشوائية والمخيمات والقرى النائية عن الوصول إلى المياه الصالحة للاستخدام إما لانقطاعها أو تلوثها، فيما تبدو المسافة الآمنة فكرة خيالية أو نكتة سوداء لأسرة من 8 أفراد تسكن غرفة ومنتفعاتها. بينما أكتب هذه السطور، يمرّ أمامي خبر عن عائلة جائعة أكلت قطّة في منطقة المنكوبين – البداوي (طرابلس)، أقرأه بتمعّن.

لا يملك الفقراء، خاصة الذين يعانون من القلق المزمن (Chronic Stress) ترف التأقلم مع المشاعر الثقيلة المصاحبة لحالة الجزع الجماعية من “كورونا” وخوض الحجر الصحي كتجربة روحية، بل هم أكثر هشاشة تجاه النوبات الحادة والاكتئاب، وعرضة للإصابة بالفيروس بحكم ضعف الجهاز المناعي نتيجة الضغط المستمر. فالمطالعة، مثلاً، وأن بدت كنشاط بسيط، إلا أنه يستوجب قدراً من التركيز يعجز الدماغ عن تلبيته بحكم الإفراز المكثّف لهورمون الكورتيزول (Cortisol).

ضمن هذا السياق، يظهر التطبيع مع القلق كفعل خيانة ومساومة على حق الحياة. ففي هذه الغضون، يسعى وزير الداخلية محمد فهمي إلى طيّ صفحة انتفاضة 17 تشرين ليسطّر إنجازات وهمية في سيرة الحكومة الجديدة ورئيسها، فتُحطَّم الخيم في ساحات الانتفاضة بحجة الحظر البوليسي ومنها ما كان ملجأ لثوار مشردين، وتُقمع التحركات الاحتجاجية ضد حفلات التسوّل باسم الفقراء في منطقة عكّار، وبوجه المصارف الناهبة لأموال صغار المودعين في بيروت بسلاح الشبّيحة الحي والضرب والاعتقال التعسفي. وتتجنّب الحكومة معالجة اللامساواة الاجتماعية، وتكتفي بإقرار مساعدات مالية رمزية للأسر المتضررة (لم تُمنَح حتى اللحظة)، كما لو أن حلّ مشكلة الفقر يمكن بـ”الإحسان“.

في بداية الانتفاضة، كُتبت عبارة ”يسقط خوفنا“ على أحد جدران بيروت. صوّبها لاحقاً صديقي وشطبَ ياء المضارعة. أعلم علم اليقين أنّ لنا في الشارع جولات مقبلة، سنتوّجها بإسقاط القلق وأسبابه.

 
×