كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلاً، الطقس بارد والهواء يعصف في الساحة الصغيرة الموصلة إلى حانات ذلك الحي القديم في الميناء عند أبواب طرابلس شمال لبنان. خرج حسام من الحانة شبه مخمور، توجه برفقة صديقيه نحو سيارته. البرد قارس، الزبائن في المكان قلة، والسهرة مملة. رأى حسام رجال أمن منتشرين في المكان٬ رفع يده للتحية، لم يبادلوه إياها، انتظروه حتى فتح باب سيارته، سألوه إن كان يحمل سلاحاً، ابتسم ورد إيجاباً، هو يحمل فقط مسدسا، غير مرخص. في تلك الليلة كانت التعليمات الأمنية مشددة، فرئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع يزور المدينة. طلب المسؤول الأمني من حسام بطاقة هويته، أخرجها الأخير، ولما قرأ المسؤول الاسم فتح عينيه على وسعهما وابتسم. نظر إلى حسام ودعاه إلى الصعود في سيارة الشرطة.

أُوقف حسام، احتج قليلاً، ثم صمت. فهو معتاد على الإقامة في السجن، لكنه في تلك الليلة كان يخطط لإكمال السهرة في مكان آخر، في خمارة “على مزاجه”. سأل عسكريًا جنبه عن ذنبه، لم يرد رجل الأمن. وحسام الذي كان التوقيف قد قضى على فعل الكحول على مزاجه شعر في تلك اللحظة بالحنق، وبرغبة عارمة بالهروب من السيارة، لكنه لم يتحرك.

فيما كانت السيارة الأمنية تشق طريقها إلى مكان توقيف حسام، توجه كل من صديقيه في اتجاه، الأول راح يخبر زوجة حسام بما حصل، والثاني تولى اخبار حبيبته نانا.

مرت ليلة أولى في مركز التوقيف، أمضاها حسام ساهراً يحارب وجع رأس ألم به، وقضت حبيبته الليلة باكيةً، ويُرجح أن تكون زوجته قد قلقت قليلاً، ثم نامت متعبة من الركض طيلة النهار خلف أولادها الأربعة.

بعد نحو عشرة أيام تقريباً، خرج حسام من التوقيف، وعاد الى بيته في منطقة البداوي. أمضى ساعات مع عائلته، ثم قال لزوجته إنه يحتاج لتنشق الهواء ورؤية الأصدقاء، ومن المنزل توجه مباشرة إلى بيت نانا، اللاجئة السورية التي هربت من الحرب والتي تعمل في المنزل المتواضع جداً الذي لجأت إليه مصففة للشعر، وهي تحلم بدخول عالم التمثيل ولو ككومبارس.

قصة حسام ونانا تشبه قصصاً كثير، حيث رجل متزوج يقع في سحر شابة حلوة، يحتضنها، يسعى لمساعدتها، ثم يجد نفسه فجأة أمام السؤال الصعب، سؤال الزواج الذي تتوقعه الحبيبة، فيهرب مجدداً إلى حضن زوجة ملت مغامراته العاطفية الكثيرة، ولم تعد تراه إلا أباً لأولادها. لكن قصة حسام ونانا تختلف من حيث هوية الحبيبين.

ما يجمع بين حسام ونانا قليل، ربما فقط ذلك الانتماء الى الطبقة المسحوقة المهمشة، الطبقة الأكثر فقراً، وما يفرق بينهما كثير وشاسع. حسام هو ابن منطقة البداوي، لبناني لم يكمل المرحلة الابتدائية من التعليم. والده المقعد حالياً كان مقاتلاً علمانياً في أحد أحزاب “الحركة الوطنية”. أصابته رصاصة في فخذه وهو يشارك في التصدي للإسرائيليين عام 1982. بعد الإصابة انزوى الأب في بيته المتواضع في منطقته الفقيرة، وشاهد أولاده يتسربون من المدرسة ويشق كل منهم طريقاً لا يتقاطع بتاتاً مع قناعات الأب. حسام وجد في عجز أبيه ترجمة لعجز العلمانيين، ارتمى بسرعة في حضن الإسلاميين، تبنى منطقهم المذهبي المتشدد، أرخى لحيته، ولما كبر قليلاً حمل السلاح، وتقرّب من “نجوم” المساجد وقادة المحاور. تزوج من جارته وبسرعة رزق بأولاده الأربعة، فضمهم إلى ملف فقره. هو الذي يمتهن الـ”لا مهنة”، صار مقاتلاً مقرباً من “أصحاب القرار” في الحرب، من معارك طرابلس إلى سوريا فالحدود اللبنانية ـ السورية. كانت لحيته تطول أكثر كلما طالت مشاركته من أجل تحرير أرض الإسلام من الطغاة. ولما اعتقد أن النصر آت، وأنه سيُسلم النياشين، غفا مع مقاتلين آخرين في مكان ما قرب عكار، ليستفيقوا على أصوات قنابل ورصاص. لقد أُسقط في يدهم، ولم يُسقطوا الحدود.

عاد مهزوماً إلى منطقة البداوي في طرابلس، يلملم خيبة انكسار حلم الترقي في سلم اجتماعي ما. أثر الخيبة فتّح عينيه على ما يدور حوله. انتبه الى تراكم ثروات “نجوم المساجد” الذين أرسلوه وأرسلوا رفاقه الى القتال. ولأنه يرفض أن يكون “مهزوماً” كوالده، قرر الانتماء الى “عالم الكبار”، وصار يقتات من عمليات استغلال الآخرين، المهمشين مثله، أبناء البداوي – المدينة مثله، اللبنانيين الأكثر فقراً مثله. وصار يسهّل لهم عمليات اقتناء مخدرات، أو المشاركة في مجموعة مقاتلة ما، أو بيع أسلحة مجموعات أخرى، أو التواصل مع إعلاميين يحلمون بـ”سكوب” ما، ويقبض هو ثمن القصة المركبة أحياناً.

لما ترك السلاح مجبراً، استهوته مجدداً حياة الليل وجلسات السكر في الخمارات. صار يحوّل معظم ما “يكسبه” لتمضية الأوقات في نوادٍ ليلية غائرة في ابتعادها عن المدينة والناس، وعما ترسمه دنيا الأضواء والإعلام في لبنان. في هذه الفترة بالذات، تعرّف إلى نانا، الصبية التي لم تنه دراستها وقد هربت من سوريا خوفاً من ممارسات المجموعات الإسلامية المتطرفة.

الخلاف السياسي بين حسام ونانا لم يُفسد للحب قضية، هو ضد النظام السوري وهي تؤازره. ذهب حسام بعيداً في محاولة مساعدة نانا، أراد أن يستغل “معارفه” في عالم الإعلام علّه يحقق لها حلم الوقوف أمام الكاميرات، وإن لم يتم اختيارها كممثلة، يمكنها العمل كـ “ماكيرة”. هي استماتت في انتظار رد ما، كانت تجلس أياماً أمام المرآة تزين وجهها، تضع الكثير من الكحل والبودرة البيضاء وترسم الحاجبين بسماكة رهيبة. جعلت وجهها صورة لمعالم جمالية لا يقبلها الذوق السينمائي العام. ولما طال الانتظار، سألت حسام عن تتويج لحبهما، فتذكر حينها أنها من طائفة غير طائفته، ومن عالم غير عالمه، قال لها “أنا رجل محافظ يا بنت الحلال، وأنت تحلمين بالشهرة والأضواء”. أغلق الباب خلفه، وراح يجري وراء صفقة جديدة، يسأل سمساراً أن يدفع له بدل جهود رفاق عملوا معه في تصليح أدوات صحية، يدس ما يتقاضاه من مال في جيبه ويغيب أسابيع عن الرفاق.

حسام هو الاسم الأول لشاب قد يكون اليوم أيضاً في السجن بتهمة ما، ونانا اسم الدلع الذي اختارته لنفسها حبيبته السابقة. أما البداوي فهي المنطقة الملاصقة من جهة لمخيم اللاجئين الذي يحمل اسمها ومن جهة ثانية لأحياء طرابلس الأكثر فقراً واهمالاً. في البداوي، حيث تتراكم الشقق والبيوت والعمارات المهملة كما تتراكم طبقات الوحول المتحركة وتبتلع كل من يطأها، تعيش عائلات بمساعدات من مكاتب وزارة الشؤون الاجتماعية، وأعداد الأميين من الجيل الشاب مرتفعة ولكنها لم تخضع لإحصاء رسمي موثوق. أبناء البداوي هم امتداد لأحياء طرابلس الأكثر عوزاً، حيث 57 في المئة من السكان فقراء و26 في المئة يعيشون تحت خط الفقر، وفق إحصاءات “بوابة تمكين المرأة اقتصادياً”، الصادرة عام 2016.