كنت مراهقاً في بدايات وعيه السياسيِّ حين سمعت بعضَ طلّاب صفّي يتهامسون بكلامٍ، قال لي والدي قبل سنواتٍ خلت، إنّه يقود صاحبه إلى السجنِ في ساعة السّاعة.
كانوا يحاولون إيجاد طريقة لتفادي ترديد الشعار الّذي فُرض، وما زال مفروضاً، على مدارس سوريا كلّها:
“أمّة عربية واحدة… ذات رسالةٍ خالدة” / “أهدافنا: وحدة حريّة إشتراكية”.
لم يكن الأمر بهذه السهولة، فعدم ترديد الشعار، بصوتٍ جهوريّ وجموديّة عسكرية، قد يعرّض صاحبه للمساءلة على طريقة “أنت دبكت، بس ما نخّيت”.
حين تنبّه الأصدقاء لوجودي، تصبّبوا عرقاً، فقد قيل لنا، منذ كنّا أطفالاً، إنّ الكلّ مخبرٌ، وإنّ الجدران تتنصّت على كلّ ما نقول، وإنّ أنفاسنا معدودة، وإنّ الخروج عن صراط الحزب القائد سيقود صاحبه إلى “مكانٍ لا يصل إليه الذُباب الأزرق”.
قلت لهم “أنا عندي حلّ”.
وقفنا في تحيّة العلم، صرخ أستاذ العسكرية بكلّ ما أوتيَ من خشبيّة “أمّة عربية واحدة”. وحين ردد الجميع “ذات رسالة خالدة”، كنّا، الطلاب الخونة وأنا، نقول “بحب جوليا وماجدة”.
صرخ الأستاذ “أهدافنا”، فردّ التلاميذ كلّهم “وحدة حريّة إشتراكية”، أمّا جوقة العملاء من خلفي فهتفت “أنا شو بدّي فيّا؟”.
هكذا، كان صراخنا يضيع في زحام الأصوات التي كانت تُبحّ في الصّباح لإعلان الولاء. تشابه القوافي خلّصنا من لحظة التبعيّة تلك.
أنا لم أجترح الحلّ ولم أختلقه. لقد كرّرت حيلةً شاهدتها في واحدة من حلقات سلسلة كرتون بعنوان “لحن الحياة”.
العمل، الّذي ما زلت أرجّح أنّ الرّقيب لم يبحث في محتواه كما يجب، بمطنق أنّه “أفلام كرتون عن آنسة موسيقى عم تعلّم ولاد، وموجه للأطفال، شو بدّو يكون فيه؟”، كان يضرب في عمق الشموليات وفرضِ العقيدة وسياسات الحزب الواحد. مرّت هذه الحيلة في أحداثه، حيث كان أولاد “السيّد ربيع” يبحثون عن طريقة للتملّص من أداء التحيّة النازية في مدارسهم، فعلّمتهم مُدرّستهم “صفاء نور” أن يردّدوا “يفنى هتلر” لتضيع أصواتهم في زحام السواد الأعظم الّذي يردد “يحيا هتلر”.

ندمت على قطيعتي مع لغتي الأمّ، لغتي الحبيبة، اللغة الأجمل والأوسع والأكثر إبهاراً. إذا كان لهذه الحفرة، المدعوة “بلاداً عربيّة”، منجز نفاخر به، فهو اللغة العربية

في بداية تمرّدي، كرهت كلّ ما هو عربيّ. كرهت كذبة “الأمّة العربية”، ثمّ كرهت مكوناتها، وكفرت بكلّ ما مجّده “البعث” الفارض الرّافض لكلّ أشكال التعددية، وصولاً إلى اللغة. كرهت اللغة العربية، وقررت أن أتعلّم الآرامية، فهي لغتنا الاولى الّتي غيّبها “الاحتلال العربي لسوريا”.
شيئاً فشيئاً، اتسعت دائرة الوعي، وبدأت أفهم منطق التاريخ وحركة الانقلابات وضرورات المرحلة. وندمت على قطيعتي مع لغتي الأمّ، لغتي الحبيبة، اللغة الأجمل والأوسع والأكثر إبهاراً. إذا كان لهذه الحفرة، المدعوة “بلاداً عربيّة”، منجز نفاخر به، فهو اللغة العربية.
18 كانون الأوّل ما زال بعيداً. لا أكتب عن اللغة العربية بسبب يومها العالميّ. كلّ ما في الأمر أنّني شاهدت، مؤخّراً، فيديو لـ”طارق العربي طرقان” يغنّي مع أولاده، محمد وديما وتالة، باقة من أجمل شارات الكرتون الّتي شكّلت أرشيفيَ الغنائيّ الأوّل.
طارق العربي طرقان، لمن لا يعرفه، هو كاتبُ وملحّن أجمل شارات الكرتون الّتي علقت في وجدان جيلَي الثمانينيات والتسعينيات. رجلٌ استطاع أن يصنع أغنياتٍ احتلّت مساحة دافئة في ذاكرتنا، دون أن يسطّح المُنتج ويبسّطه بحجّة أنّ المستهدفين به أطفالٌ محدودو المدارك.
طارق العربي طرقان جعلني أدندن وأنا طفلٌ في الخامسة “فلتحذرْ أن تغترّ، إستخدِم عقلَك أكثر، وحدَك عودٌ غضٌّ وطري والجمع عصاً لا تُكسر” (شارة ماوكلي) ثمّ حفّظني شارة فيها لغةٌ تنوس بين الرِّفعة والبساطة “مررتِ بخاطري فكرة.. عبرتِ، ظلّتِ الذكرى.. نسيتِ الحُزن شوقاً للغدِ الأفضل.. دروبٌ قد قطعتيها.. أفينا البُعد أم فيها؟.. نسينا… عيبُنا في الأمسِ لم نسأل” (شارة دروب ريمي).
الحقيقة أنّ جميع العاملين في قطّاع دوبلاج الكرتون، والمُشتغلون في “مركز الزُّهرة” على وجه الدقة، ساهموا في جعلِ اللغة العربية السليمة تتنامى في لا وعيِ شارعٍ عريض يبدأ في سوريا وينتهي في أطرافِ البلاد المغاربية.
بالعودة إلى الوطنِ وتحيّة العلمِ وطارق العربي طرقان:
هذا الرجل كتب ولحّن شارة مسلسلٍ كرتونيّ يحمل عنوان “صراع الجبابرة/ صقور الأرض”. قلت، وما زلت، وسأظلّ أقول إنّها، أي شارة صراع الجبابرة، تحتلّ منزلة فنية ووجدانية تجعلها تصلح لأن تكون نشيداً وطنيّاً نردّده، كلّنا، دونَ أن نضطرّ إلى التحايل واللعب على القافيات:
“شرف الوطن.. أغلى منّا ومن.. ما قد يجول بفكرنا في أيّ زمن
شرف الوطن هو أرضي.. شرف الوطن قبلي وبعدي.. شرفُ الوطن مرآة مجدي.. سيفي ورُمحي في وجه المِحن”..
أحبُّ العربية وأكره من يستثمرون فيها. أحبّها دون شعارات. أحبها كما زرعها فيَّ طارق العربي طرقان.

 
×