هل جربت العيش في قرية بعيدة؟ هل اخترت أن تنعزل عن بني البشر؟

لطالما دار في خلدي أن أنتقل إلى المدينة وأعيش فيها، لا سيما بعدما رحلت أمي. كانت القرية ولا تزال سجناً كبيراً بالنسبة إليَّ، ما إن يبزغ ضوء النهار حتى أفرّ من زنزانتي المنفردة فيها وأولّي وجهي شطر اللاذقية.

في زمنٍ مضى، حين كانت أمي ترى علائم الاكتئاب على وجهي، كانت تقول: “هيّا… هيّا انزلي إلى اللاذقية”. كانت تلك العجوز تحدس بأنّ مجرد ذهابي إلى تلك المدينة والمشي في شوارعها وأسواقها كفيلان بتبديد أي اكتئاب.

أمّا صديقتي فتقول: “روحك واسعة، اللاذقية ضيقة عليك!” وأجيبها: “سوريا ضيقة وتضيق يوماً بعد يوم”.

في القرية، حيث أسكن، أسمع زقزقات العصافير وأشاهد البحر من شرفة المنزل، واللون الأخضر يعمّ المكان. لكني لا أحبّ هذا الجمال. وما إن تبلغ الحافلة المنعطف الذي يؤدي إلى البيت حتى أشعر بالاختناق.

قد أقضي أياماً بلياليها لا أخرج إلى الشرفة، أقرأ وأشاهد أفلاماً وأسمع موسيقى. حولت سريري إلى مكتبة، أضع الكتب التي أحب بجانب الوسادة حيث قد يبقى الكتاب شهرين أو ثلاثة، أفتحه كلّ يوم قبل النوم لدقائق ثم أعيده إلى جانب الوسادة. أذكر أن ديوان محمود درويش سرير الغريبة بقي على هذه الحالة مدة عام. لا أعرف، بالضبط، لم قرنت سريري بذاك السرير، ولماذا ربطت الغريبة بي.

لم يعد لديّ ما أفعله في هذه القرية. أنجزت مهامي على أكمل وجه. دفنت أمي، فلم لا أهرب؟

يسألني صديق: “ألا تخشين النوم وحيدة في هذا المنزل؟” النوم وحيدة! يضحكني السؤال، وأردّ: “هل كان بمقدور أمي العجوز والمريضة أن تدفع عني غائلة الخوف في العشر سنين الأخيرة؟”

أعترف أنني أفشل في تنظيم فوضاي. لا أعرف كيف أبدأ! كلّ ما أفعله هو القراءة. لم أعد أكتب كما في السابق. أنا التي كنت أتذرع بضيق الوقت، بات لديَّ، بعد وفاة أمي، وقت كثير لا أعرف كيف أبدده، لكنني لم أعتد الكتابة في المنزل، كنت أجلس في مقهى في اللاذقية وهناك أقرأ وأكتب بذاك التركيز الذي لم أعد أقوى عليه. صحيحٌ أنَّ أمي المريضة كانت تشتت ذهني بعض التشتيت، لكن غيابها يوترني، وسريرها الفارغ يذهب بفكري مرات كثيرة في النهار الواحد.

“آن لكِ أن تغيّري المكان!”

لكنَّ الذاكرة لا يمكن نسفها. لو أنَّ الدماغ مثل كومبيوتر يسعك أن “تُفَرْمِتَه” لهان الأمر ورميت الذكريات وبدأت من جديد. ثمَّ إنَّ تغيير المكان يلزمه دخل مريح، ولم يعد بوسع مرتبي الشهري مهما لحقته الزيادات أن يلحق بارتفاع إيجار البيوت.

“لا صداقات مع المكان”.

لم يكد أحد يفكر طيلة العشر سنوات بأن يخزن الطعام، وها تأتي الكورونا، فنصاب بالهلع… ما الذي حلَّ بتلك العدمية؟ هل كنَّا نكذب؟

لم أستطع أن أقيم علاقة صداقة في هذه القرية. النساء اللواتي في مثل سنّي تزوجن وغادر معظمهنّ القرية، أمّا من بقين فتكفلت مواقفي وآرائي في عام 2011 بالقطيعة معهن.

لم تنقصني العزلة، فقد جربتها في العشر سنين الأخيرة مع أم مصابة بألزهايمر. لكن تلك العزلة، على الرغم من قسوتها، كانت عزلة اختيارية، وكان بمقدوري، كلما ضجرت، أن استقل الحافلة وأمضي ثم أعود وقد غادرني الضجر.

تقول ابنة أخي: “نيّالها تاتا، ارتاحت من البرد ومن الكورونا”، أضحك وأجيبها: “بس تاتا ماتت”. لم أتصور يوماً أن في الموت راحة إلا في هذا الشتاء البارد والقاسي: صعوبة في تأمين وسائل التدفئة، انقطاع التيار الكهربائي، غلاء فاحش، ثم تأتي الكورونا، ألم يكفي السوريين ما حلّ بهم؟

لم نطل المكوث في البيوت حتى في أوج الحرب. كانت القذائف تسقط، وتقع انفجارات في كراجات الانطلاق، وفي اليوم التالي نتابع حياتنا كأننا نعيش بضربة حظ. ومع ازدياد الموت تزداد العدمية، فنخرج كل يوم كأنه آخر يوم نعيشه. لم يكد أحد يفكر طيلة العشر سنوات بأن يخزن الطعام، وها تأتي الكورونا، فنصاب بالهلع، ونأخذ نكدس الطعام. ما الذي حلَّ بتلك العدمية؟ هل كنَّا نكذب؟

تعلن الدول المجاورة عن أعداد مصابيها بفيروس كورونا، ويتأخر السوريون في الإعلان عن حالات المصابين، ثم يعلنون، فيزداد الهلع. تُغلق المدن على بعضها بعضاً، وتتوقف وسائط النقل الجماعي. تقفل القرية أبوابها عليَّ وأزداد عزلة.

لم يعد الموضوع مزاحاً، ها قد داهمتنا الكورونا.

أغنية فيروز “خليك بالبيت” تصبح شعار المرحلة المكورنة.

تطالعني صورة لاجئ يرفع يافطة مكتوب عليها بالانكليزية ” Stay home… I wish I can” (خليك بالبيت … يا ريت لو فيي). وماذا عن سكان الخيام؟ ماذا عن العمال المياومين؟ كيف سيبقون في منازلهم؟ من سيتكفل بإطعام أولادهم؟ يبدو خيار “خليك بالبيت” خياراً للمترفين الذين يمكنهم أن يتسوقوا عبر الانترنت. ماذا عن بلد أنهكته الحرب ونخره الفساد؟ كيف تقنع الناس بالعزلة إن لم يكن بوسعك أن تؤمن أدنى متطلبات حياتهم.

ها شبح الكورونا يخيم على العالم، وأنت تقبعين في قوقعتك، تمدّين رأسك قليلاً في الصباح ثم تعودين إلى القوقعة خشية العدوى.

“كلٌّ في قوقعته حتى إشعار آخر”، هكذا أقرأ البلاغات الرسمية الصادرة. هل كانت تنقصنا العزلة حقّاً؟ ألم تبعد وسائل التواصل الاجتماعي البشر عن بعضهم بعضاً؟ لطالما جلسنا ساعات طوال مع أحبّة لا نتبادل الكلام. نفتح هواتفنا الذكية ونغرق في محادثات مع أناس بعيدين عنا، حتى إذا انقطع النت دقائق معدودات تذمرنا كأنها نهاية الكون. هل هي نهاية الكون؟ ها إسرافيل نفخ في صوره “ابقوا في منازلكم” كأنها صيحة واحدة جمدتنا. أي قيامة تنظرنا الآن؟

أتابع الصين في معركتها ضد فيروس الكورونا، وكيف استطاعت أن تضبط ملياراً ونصف المليار من البشر وتحاصر فيروساً ذا قدرة هائلة على الانتشار. وأتذكر كيف تركت القيادة الأميركية مواطنيها في نيو أورلينز إبان إعصار كاترينا لمصيرهم، وأرى كيف استهانت بهم اليوم وتركتهم أسابيع بين براثن الفيروس.

بات من الصعب أن نفكر بالخلاص الفردي. سكان هذا الكوكب يتقاسمون المصير نفسه، فهل يغيّر الكورونا من طبائعنا؟ هل يصبح العالم أقل أنانية وجشعاً؟ هل يغيّر الحكّام من طبائعهم؟ أسئلة كثيرة تتلاطم في رأسي، لكنَّ الأمل يحدوني أنْ سوف ننجو.

 
×