بلد الاحلام، هكذا تسمى..
حزمت حقائبها لمواعدة هذه التسمية، ومضت. عامها الثلاثون كان مليئاً بالوجوه والأماكن والفرح والحزن والغضب والحنين، كان مليئاً بكل أشكال العاطفة. هكذا تكون البدايات، غالباً، حين يتعلق الأمر بالوافدين إلى أميركا من بلاد المشرق.
أما اليوم فهي أسيرة شارع بلا مارّة وبيت لا يطرق بابه أحد من دون موعد مسبق، هذا على فرضِ أنّ هناك من يريد أن يزورها أصلاً.
وكما كل التجارب التي تعيد تشكيل الإنسان، دخلت في تجربتها هذه وحيدة، يشاركها مقعد صغير وفنجان قهوة وصحيفة يومية لم تكن تجيد قراءة لغتها بعد.
كل شيء جميل و ملون هنا. كلّ ما يحيط بالفتاة الشامية جميلٌ للغاية، لكنّ وحيدةٌ جداً. وحيدة لدرجة أنّها تشتاق للكلام مع أحدهم. وحده هاتفها النقال كان يؤنسها بين حينٍ وحين.
يقولون إنّ الروبوت سيحلّ محلّ الإنسان، لاحقاً، في كلّ ما هو ذهنيّ وميكانيكيّ، وربّما يُبرمجون له عاطفةً ما.
هذا قد يحدث مستقبلاً، لكنّها حين وصلت إلى أميركا، لم يكن الهاتف الذكيّ كفيلاً بالنيل من وحدتها، كانت بحاجة إلى آخرين، فالمثل الشعبي في بلادها يقول “الجنة من غير ناس ما بتنداس”.
أخيراً، تنبّهت إلى أحدهم. هناك من بات يتطفّل على صباحاتها.  
“غود مورننغ” كلمتان اثنتان، كانتا كفيلتين بأن تشعراها بالـ”ونس”. كان وجهه الذي يمر على عجالة كافياً لجعلها تبتسم.
إنّه ساعي البريد. الغريب مثلها.

“غود مورننغ” كلمتان اثنتان، كانتا كفيلتين بأن تشعراها بالـ”ونس”. كان وجهه الذي يمر على عجالة كافياً لجعلها تبتسم.

كان الشاب اللاتيني، مع بداية كلّ صباح، يطل عليها كفارس الأحلام، وكانت تنتظره مع رشفة القهوة الأولى. تراه يركن حافلته البيضاء بهدوء، يضع بريده الصباحي في صندوقها، ثمّ يرمي إليها بالجريدة، كعاشق يرمي وردةً على باب أميرته. تطل عليه من نافذتها الباردة يحييها بكلمتين “غود مورنينغ” وينصرف.
هكذا هي بلاد الأحلام إذاً، فنجان قهوة وجريدة وابتسامة و”غود مورنينغ”.
هي لا تعرف، على وجه الدقّة، ما الّذي يستهويها في اللاتيني النحيل. لم يخطر في بالها أن يحمل لها رسالةً في قارورةٍ يوماً. أو أن يوصل لها طرداً في شالٌ من أيّام الصبا. لم تجد سبباً واحداً يجعلها تجد في “عابر البريد” ذاك، نصف دنياها.
أرادت أن تسأله ذات يوم عن اسمه. تريد أن تعرف اسمه حتى تقول له “غريبان نحن يا….”، غريبان يبحثان عن الأحلام في بلادها.
ذات مرّة، وفيما كانت تلتقط جريدة الصباح سألت نفسها “أتراه يتمنى أن يجلس في مكانها، وتقود هي عربته البيضاء، فتركنها جانباً وتتقدم منه وتعطيه الجريدة مع “غود مورنينغ”؟”. وعلى الرغم من كونها لم تسأل، وعلى الرغم من كونه لم يجِب، فقد سمعته يقول “لا”.
لا… حسناً، وليكن… لم تهتمّ ولن تهتمّ… من هو كي تهتمّ له؟
هو عابرٌ. مجرّد عابر. مجرّد عابر بريدٍ في بلاد الأحلام الواسعة.
مهلاً.
هي ليست واسعةً للغاية. هي بحجم “مقعد صغير وفنجان قهوة وابتسامةِ لاتيني نحيل وكلمتين اثنتين.. غود مورنينغ”.

 
×