لطالما ضايقتني فكرة السّكن في طابقٍ أرضيّ، حيث لا شرفة تطلّ منها على الشّارع، ولا فرص ارتطامٍ باحتمالات الوقوع في الحبّ. كما أن للطّوابق الأرضيّة مشاكلها الكثيرة، فالشّمس تتسلّل إليها بخجلٍ، على عكس الصراصير والجرذان التي تقتحمها بوقاحةٍ بالغة. لكن، وبكلّ أسف، نحن لا نختار البيوت التي نولَد فيها، ولا التي ستكون ملاعب لطفولةٍ قصيرة الأمد.

وراء هذه الخزانة أخفيتُ الدّمى التي سرقتُها من أختي، نسيتُها هناك ونسيَتها أختي أيضاً. أمام هذه المرآة غارَت قدماي الصّغيرتان داخل أحذية أمي ذات الكعب العالي. على هذا الجدار رسمتُ شرفةً عليها أصص ورد حرصتُ على سقايتها، ومن الشرفة لوّحت لأصدقاء عبروا بالي.

استخدمتُ الوسادات كي أعمّر بيتاً فارهاً من طابقين، لباربي مقلّدة سمّيتها تمارى. في الفُسحة الخلفيّة سبحتُ في بحرٍ بلا أمواج، جدرانه لونها زهريّ ومصنوعة من البلاستيك. الآن، أنا صبيّة وليس بمقدوري بعد مغادرة البيت. جاءت الحرب وجعلتْ للطّوابق الأرضية ميزةً عن الطّوابق العالية، ففي الحرب لا يكترث النّاس للشّمس ولا للمارّة، ولا تزعجهم الحشرات ولا القوارض. أكثر ما يهمّهم هو الأمان، ونِسبُه التي تعلو في الأسفل.

بالنّسبة لي، صار البيت يؤرّقني أكثر من السّابق، لأني صرتُ ملازمةً له بشكل دائم. ابيضّتْ بشرتي أكثر من قبل، وصار وجهي باهت اللون كأنّه وجه ميت. لم تعد ألعابُ الطفولة تسلّيني، الشّرفة طُمِست بطلاءٍ زيتيّ، الوسادات عادتْ إلى أماكنها الطّبيعية تحت الرؤوس، مقاسُ قدميّ صار أكبر بنمرةٍ من أحذية أمّي، ولم يعد يتّسعُ لي البحرُ الّذي تبين أنه ليس أكثر من بِركة ماءٍ، تدلقه أمّي فيه.

لا شيء أفعلُه عدا انتظار النّهاية. قد تكون نهايتي أو نهاية الحرب. لم يعد يعنيني كثيراً. المهمّ أن توضع نقطة في آخر هذه الأيام الثقيلة. فسحةُ البيت الخلفيّة صارت المكان الوحيد الّذي يصلني بعض الشّيء بالعالم الخارجي، منه أتلصّصُ على أحاديث الجيران ومعاركهم الدّائمة، وفي الليل على تنهيداتٍ أحبّها وتعذّبني، وأحبّها أكثر لأنها تعذّبني، وألعن أصوات الشخير الّتي تقاطعُها.

ارتأى والدي أن يدقّ مسامير في أحد جدران مدخل البناء تحت لافتةٍ خططتُها أنا بعنوانٍ عريض: المفقودات. على تلك المسامير صرنا نعلّق ما تجود به السّماء على فسحة بيتنا الخلفية، معوّلين على أمانة جيراننا في أخذ الأشياء التي تخصّهم فحسب. احتفظتُ بفستانٍ مشجَّر سقط في حضني ولم يره أحدٌ سواي، صرتُ ألبسهُ أمام المرآة، بدوتُ فيه جميلةً وحيّةً مثل غابة. ما هي إلّا أيّامٌ قليلة وشُنِقَ من ياقته على أحد المسامير، كانت أختي الفاعلة، انتقمَت أخيراً لدُماها المحجوزة خلف الخزانة. حين رأيتُه متدلّياً في الخارج، بنزق حطّابٍ خرجتُ ومزّقتُه.

جاءت الحرب وجعلتْ للطّوابق الأرضية ميزةً عن الطّوابق العالية، ففي الحرب لا يكترث النّاس للشّمس ولا للمارّة، ولا تزعجهم الحشرات ولا القوارض، أكثر ما يهمّهم هو الأمان

في أحد الصّباحات رأينا صورةَ شابٍّ وسيم تطفو على سطح البركة، سارعنا أنا وأختي لانتشالها وكأنّنا ننقذُ غريقاً، في الحقيقة لم يكن ما أنقذناه إلاّ رغباتنا. قالت أختي: ربما يحتاج تنفّساً اصطناعيّاً وقبّلَتْه من فمه، قلتُ: سوف أضغطُ على صدره كي يخرج الماء. لم أضغط، فقط مرّرتُ أصابعي عليه ببطء. بعد استيعاب ما فعلناه للتوّ، دخلنا في نوبة ضحكٍ طويلة انتهت ببكاءٍ مرير. صرنا نتفنّن بوضع سيناريوهات مختلفة للصّورة، منها أن تكون لرجلٍ تعشقه الجارة التي تسكن الطّابق الثّاني وتخون زوجها معه، إذ كانت هذه المرأة تحديداً تصدر أصواتاً شديدة الشّبق في الليل، إلى درجةٍ يصعب معها تصديق أن ما يجري على بعد طابقين ليس أمراً محرّماً. هذا السّيناريو جعل الرّغبة تستعر أكثر في داخلي، وفي داخل أختي، على ما أعتقد. ومنها أن تكون الصّورة لواحدٍ من الإخوة الذين يسكنون الطّابق الأخير وقد تعمّد أن يرميها كي يغويني. نشبت حربٌ طاحنة بيني وبين أختي حول عائديّة ياء الملكية في مفردة “يغويني” تلك، انتهت حربنا الصغيرة بأن شُرِمت الصورة واحتفظت كلٌّ منّا بقسمٍ منها. صار لي نصفُ رجلٍ، أنام معه كلّ ليلة. أمّا أختي فقد علّقت رجُلَها غير الكامل على المسمار في الخارج، جاعلةً المسمار يخترق قلبه. انتظرتُ شهراً كاملاً خلف العين السّاحرة للباب، مترقّبةً وصول صاحب الصورة، رجل أحلامنا، كي يستعيدها، ولم يظهر. خطفتُ الصورة ورميتها خلف الخزانة، في هذه المرّة كانت أسبابي طيّبة.

في فترات الحرب تراود ذهنكِ أفكارٌ لم تخطر في بالك من قبل، واحدةٌ منها كانت الحرصَ على ارتداء ثيابٍ داخلية جميلة والابتعاد عن تلك المهترئة أو الكالحة اللون أو المثقوبة. لا أحد يرغب في أن يستقبل الموت بمظهرٍ غير لائق، لم تعد لدينا حقوقٌ كثيرة، فلنطالب بواحدٍ منها: أن نكون جثثاً أنيقة.

بعد فترةٍ تناسينا قصّة الرجل واستعدنا تدريجيّاً طقس الجلوس في الفسحة الخلفيّة، إذ لا بدائل أُخرى متاحة لنا، كما أنّه ليس لدينا أخواتٍ أخريات، سواء ولدتهن أَمْ لم تلدهن أمُّنا.

في عصر ذلك اليوم حلّ الخريف. علمنا أنّه الخريف لا من الروزنامة التي توقفنا عن قطف أوراقها، فالأيّام متماثلةٌ في الحرب مهما تغيّرت أسماؤها. علمنا أنّ الخريف وصل بسبب سربِ الحوم المهاجر، الّذي عبَر السماء فوقنا في طريقه إلى إفريقيا. رفرف طائرٌ على علوٍّ منخفضٍ منّا ثمّ سقط في بركة الماء، هرعنا إليه كي ننقذه ويلتحق برفاقه، ليتبيّن لنا أن الطّائر ليس إلاّ سروالاً تحتيّاً نسائيّاً من الدّانتيل الأبيض، يتفوّق جماليّاً بمراحل على كلّ ما نملكه من ثياب داخلية. سحبناه من الماء وعلقناه بحذرٍ من طرفيه بملقطين على حبل الغسيل، صرنا نروح ونجيء ونتحسّسه، كي نعرف إن جفّ. لا بدّ أن أمي أطلعت والدي على زيارة طائر الدّانتيل لبيتنا، لأنني ضبطتُثه هو الآخر ممسكاً به، ارتبك وقال: كيف سنعلّق هذا الشّيء على مسامير المفقودات؟

بدأت تدور نقاشات سرّيّة بين والديّ حول مصير السّروال، ومثلها بيني وبين أختي. تمنّينا أن يكون قرار أبوينا الاحتفاظ بالسّروال في المنزل، غافلتين عن أنّ ذلك القرار سيجرّ معه خلافات جديدة بيننا. ليس من العدل أن يُشرَم سروال من الدّانتيل النّاصع البياض. نشفَ السروال على الحبل، ولم يحدّد والداي مصيرَه بعد. وجدتُ نفسي واقفةً على مفترق طريقين: خلف الخزانة ومدخل البناء. ولأنّني أؤمن بحقّ الطّيور في الطّيران، وبفداحة أن يُحبَس طائرٌ في طابقٍ أرضيٍّ بلا شرفات، علّقت السّروال في الخارج برفقٍ، أطلقتُه ليرحل ويحطّ حيث يشاء. وبّختني أمّي على ذلك، قالت: تمارى أنتِ بنت قليلة الأدب. حاولتُ التّملّصَ من فعلتي واتّهمتُ أختي، قلتُ: هي الفاعلة، هي المذنبة. قالت أمّي: تمارى كم مرّة سأخبركِ بأنكِ ابنتنا الوحيدة؟

المزيد من هذا المؤلف

 
×