(1)

إذا ما رأيت في حياتك فطراً عملاقاً يتّجه إليك، فهذا يعني شيئاً من ثلاثة: إما أنك تناولت فطراً سحرياً في إحدى ضواحي أمستردام، وجلست في الحديقة منتظراً رحلتك مع أليس إلى بلاد العجائب، وعلى الأغلب سيكون الفطر متكلماً وسيروي لك النكات. أو أنك في صالة سينما بتقنية الثلاثة أبعاد، وفي الفيلم هناك شريرٌ من نسل “الجوكر” وأصحابه قد سرق قنبلةً نووية وفجّرها. لا تخف، فهذا مجرد فيلم وسينتصر “باتمان” في النهاية. أخيراً قد يعني هذا أنك في بيروت أو هيروشيما أو ناغازاكي، في خضمّ تفجيرٍ ضخم. حينها عليك تعلّم طريقةٍ ما للاختباء، خلف حائطٍ إسمنتي، وعليك أن تخاف كثيراً من عواقب تفجير كهذا.

الخياران الأولان هما بمثابة الدعابة التي أريد أن أبدأ بها تمهيداً لنصٍ ثقيلٍ وباردٍ يشبه أيامنا على هذا الساحل الشرقي للمتوسط. فالفطر العملاق لا يمكن أن يكون صديقاً، مهما كثرت تبريراته الأخلاقية، ومهما حاولت الحكايات تخفيف وطأته. هو الكارثة بعينها، الكارثة بحدها الأقصى. تعال معي بمخيلةٍ نضرة وانظر.

(2)

أنت هناك في انفجار المرفأ في بيروت 4 آب 2020. تخيّل نفسك في موقع الحدث، تسمع الصوت وترى الدخان، ولأن التلفون هو امتداد جسدك، تكون ردة فعلك أن تلتقط الكاميرا وتراقب ما يحدث. الكاميرا هي الذاكرة الشخصية، تسجل اللحظات التي تسبق الموت. إلا أن الذاكرة الشخصية للبشر ما قبل التلفونات كانت تختفي مع موت الشخص. اليوم يتبقى من الأفراد ذاكرة يرفعونها حيةً على سحابةٍ إلكترونيةٍ كونية. تتصاعد الصور إلى سحابة الإنترنت، وتتكثّف هناك، لنلتقطها كمشاهدين بعد أن تمضي الكارثة.

يتصاعد بخار الماء إلى الطبقات الأعلى، يتكثّف في شكل سحابةٍ بيضاء فطرية الشكل، تتسارع متقدمةً نحو الكاميرا، يعلو صراخ المصور من على شرفته، ترجوه الفتاة التي بقربه أن يدخل وأن يوقف التصوير، تنقلب الكاميرا من يده، ونسمع صوت الفراغ. سحابة الفطر المدمر مرّت من هنا.  من الناحية الأخرى، صيادون في قاربٍ ينظرون إلى الفطر يتنامى من أرض المرفأ ويقترب منهم، في ثوانٍ يصبحون داخل هذا الفطر العملاق وتنقلب الكاميرا، ونسمع صوت الفراغ. على هذا المنوال، وباستعادة هذه الثيمة تكراراً، تتالى وتتكاثر وتتناسل الفيديوهات التي سجلت حادثة تفجير مرفأ بيروت وسحابته الفطرية. عندما رأى الناس شكل السحابة الفطرية هتفوا “تفجير نووي”، “قنبلة ذرية”، وقالوها مراراً كأنّما ليتأكدوا أن ما يقولونه صحيح. إلا أنها لم تكن كذلك. الناس شاهدت على التلفزيون، وفي الأفلام، وفي تقارير الأخبار على مدى السنوات صورة السحابة الفطرية التي تنتج عن التفجيرات النووية. حفظ الناس شكل الفطر العملاق حتى أصبحت الصورة جزءاً من لاوعيهم ولغتهم. ولكن الحقيقة هذه المرة أن هذا الفطر العملاق كان النقيض الموضوعي للتفجير النووي؛ فإن كان التفجير النووي هو قمة التكنولوجيا العسكرية، فلا شك أن تفجير بيروت، بحسب ما فهمنا سببه حتى الآن، هو حضيض التكنولوجيا الأمنية والعسكرية.

(3)

فلنعد الآن خمساً وسبعين سنةً إلى الوراء، ولننظر إلى “الصبي الصغير” تضرب هيروشيما. ستسمع في الإعلام حينها أن الأميركيين عندما استخدموا القنبلة الذرية فوق هيروشيما ومرة أخرى فوق ناغازاكي، إنما فعلوا ذلك باسم إنقاذ حياة الملايين، في الوقت الذي أزهقوا فيه أرواح الملايين. وكانت الصورة الأكثر شهرة عن ذلك الحدث هي تلك التي تسمى “سحابة الفطر” التي أخذها الجيش الأمريكي نفسه من أجل التأكيد على التفوق التكنولوجي (الذي يمكننا أن نسميه أيضاً بالقدرة على التحكم البيولوجي)، التفوق الذي سمح لهم بإنهاء الحرب من أجل “خيرهم”.

عندما تنظر إلى الصور الشهيرة لقنبلة “الصبي الصغير” في 9 آب 1945 وأثرها، سترى أنها كلها مأخوذة من فوقٍ أو من بعيد. كلها صورٌ مأخوذةٌ بثقةٍ وبلا خوف، وبالتأكيد بلا تحطمٍ للكاميرا. تبدو الصور وصفاً محايداً، وصفاً شديد الحياد، إلى حدّ المثالية، في نظرته إلى القنبلة وفطرها المتصاعد. تُجهّل الفيديوهات والصور التي نقلت الحادثة المكان الذي ضُربت عليه القنبلة، لا ملامح فعلية للمكان، إلا بكونه ووصفه “المكان الذي ضُربت عليه القنبلة”، يبدو المكان كخريطة. وفي حيادها تستمر الصورة عبر تحييد الزمن أيضاً في أيقنةٍ كاملةٍ للحظة. لحظةٌ كهذه لا يمكن أن تكون زمناً سائلاً ماراً، بل هي لحظة مكتملة المجد في توقفها. كل الدقائق التي تلت ثانية التفجير هي لحظةٌ واحدة متجمدة في الزمن لأجل الأيقونة التي ترتسم في عقولنا عبر شكل الفطر المتصاعد في البعيد، وترسم إعلان بداية الزمن الأميركي.

في حين كانت القنبلتان الذريتان الأمريكيتان تسعيان لتبريرٍ أخلاقي، واحتفاءٍ بالطاقة التكنولوجية لأمةٍ قادرة وذات سيطرةٍ مطلقة، جاءت قنبلة بيروت نابعةً عن أمةٍ مُهمِلة وعن تراكم أحداث اللاسيطرة والفساد وعدم الاكتراث الجرمي والتخلف التكنولوجي.

في السنوات اللاحقة، وبأصواتٍ خافتة، جرت مواجهة صورة “سحابة الفطر” بصور الدمار والموت الناتجين على الأراضي اليابانية، صور لم تنل الشهرة في لحظة “مجد” القنبلة، أي لحظة النصر الأميركي. انتظرت الصور سنوات كي تنتشر، مع حكايات القتلى والمشوهين والمتضررين التي لم يكن لها تأثيرٌ على الأحداث في حينها. أما الآن فيمكننا أن نعاين أثرها بكونها “درسٌ للبشرية”، يقترحها علينا العالم بكونها صورٌ/أمثولةٌ تلعب دور النّصب التذكاري حيث تُدعى الإنسانية إلى تعلّم الدرس حول استخدام الأسلحة الذرية. والدرس بسيط يمكن أن نوجزه في الجملة التالية: “إن القنبلة الذرية ستؤدّي إلى تدميرٍ كاملٍ للعالم كما كنا نعرفه”. ولكن هل هذا الدرس قادرٌ على معاقبة الجاني، أو على تعويض نتائج هيروشيما خلال الحرب؟ هل سيُجرّم الأمريكيون لاستخدامهم مثل هذا السلاح؟ لن أنتظر الإجابة، بل سأتعجلها بالنفي.

لا، سيحتفظ الأميركيون بمنافعهم التي أخذوها من استخدام القنبلة الذرية، وفي الوقت نفسه سيقودون البشرية إلى أخلاق حظر استخدام هذا السلاح مرة أخرى. هكذا يؤدي استخدام القنبلة الذرية فوق هيروشيما وناغازاكي إلى السيطرة التكنولوجية لأميركا على العالم، وبالتالي إلى سيادتها على الأجساد والأشخاص. إن التناقض بين قرار المذبحة الذرية في شكلها الاحتفالي بالتكنولوجيا المطلقة والتفوق وبين كون هذا التفوق المطلق يؤدّي إلى نهاية معاناة الحرب العالمية الثانية الطويلة، أفضى إلى إقرار العالم بأن القوة التي تمتلك أحدث التقنيات هي القوة التي تحدد أي الروايات تستحق الحفظ والاستمرار وأيها “تستحق” التدمير. هكذا تخرج الأمم “المارقة” من حسابات الرواية، وينحسر وجودها إلى الحيز البيولوجي.

(4)

هل ترى؟ في رحلتنا المختصرة هذه كيف كانت “الصبي الصغير” وسحابتها الفطرية بمثابة إعلان التفوق المطلق للقدرة الأمريكية الصاعدة. كانت إعلاناً للكمال التكنولوجي، لنهاية النهايات في المعرفة والدقة والسيطرة حتى على الأرواح. قنبلتي أمريكا على اليابان كانتا الأكبر في تاريخ البشرية، إلا أن الثالثة مباشرةً خلفهما هي قنبلة بيروت، “المشرومة” النابتة على خاصرة البحر، التي ابتلعت مصوريها وأودت بحياتهم. وللمفارقة، إنه في حين كانت القنبلتان الذريتان الأمريكيتان تسعيان لتبريرٍ أخلاقي، واحتفاءٍ بالطاقة التكنولوجية لأمةٍ قادرة وذات سيطرةٍ مطلقة، جاءت قنبلة بيروت نابعةً عن أمةٍ مُهمِلة وعن تراكم أحداث اللاسيطرة والفساد وعدم الاكتراث الجرمي والتخلف التكنولوجي. صورتان لقنبلتين “مشروميتين”، صورتان للفطر القاتل تبنيان مقدمة لسيرته: بين أمةٍ تعلن سيادتها على العالم عبر قدرتها على السيطرة على تكنولوجيا غير مسبوقة، أمةٌ عاقلة في استخدام الشر لأجل “خيرها”؛ وأمةٌ تتفاجأ بمدى خطورة عدم قدرتها وقلة حيلتها وإغراقها في الجهل. صورتان: صورة الفطر القاتل بكونه مجد التكنولوجيا، وصورة الفطر النقيض حضيض التكنولوجيا. ويبقى أن الفطر العملاق، في حالتيه النقيضتين، هو الفطر نفسه القاتل للبشر.

وربما لأن القوى الصاعدة أو المهيمنة في بلادنا تعلم أن لا مكانة لها في حكاية العالم الحديث فهي تحاول أن تخطف سيادةً ما، وربما بدأت تفهم هذه القوى أن السيطرة على أجساد البشر عبر التكنولوجيا أو نقيضها، هو الطريق لفرض الرواية والسيادة. في أمتنا الفاقدة للقدرة، قليلة الحيلة، وحيث كل البلوى تُرى في شكل المتسلط الأمريكي (الغربي)، هل يكون قتل الحياة، حياة الآخرين، المجهولين، سبيلاً لاستعادة قوى الهيمنة المحلية جزءاً من الحكاية؟ هل هكذا ندخل في الرواية بكوننا هؤلاء الذين يموتون كي يؤكدوا أنهم يوماً ما كانوا أحياءً؟

 
×