شاهد هذا الفيديو أولاً كي نتكلم قليلاً عنه:

(1)

سيارةٌ تمر على الأوتوستراد السّريع، من بعيد يُلاحظ “سكانها” شابًا على “موستيك” يحمل أدوات تنظيف. يلتقط أحدهم كاميرا تلفونه، يسجل اللّحظة، ويرفعها على الانترنت على صفحته. يلتقط تلفونه تمامًا كما يمكن لأيّ منّا أن يلتقط عقله بين يديه ويضعه أمامه ليكلمه بهدوءٍ وصرامة: “انظر إلى هذه اللّحظة وسجّلها في ذاكرتك، احفظها جيدًا أرجوك”. انظر إلى هذا الفيديو واحفظه في فايسبوكك، أو في غاليري تلفونك أو على فلاشة، أرجوك.

حفظتَ المشهد؟ عال، فلننتقل بالحديث إلى بيروت الّتي تفجّرت. لا نعلم الفاعل بعد، إلا أنّنا نعرف كلّ المتورّطين، وبالأسماء والصّور، ونحفظ ابتساماتهم. بيروت تهدّمت ووقع ركامها تلالاً على الأرض. بيوت الناس وذكرياتهم وحياتهم التي عمروها تحولت إلى ركام، إلى غبار. لا نعرف وجوه الناس ولا نعرف أسماءهم، إلا أننا نعلم تمامًا أنهم أقرباء لنا، وأصدقاء، كما نعلم أنهم ليسوا نحن، نحن الّذين نجونا. هل استمعت إلى تلاوة أسماء الضّحايا خلال التّأبين؟ هل نظرت إلى اللّائحة الطّويلة؟ لم تجد اسمك؛ ها أنت نجوت مرة أخرى. إلا أنّها نجاة ثقيلة جدًا، فمن الدّامي أن تنجو وقربك ركام البلاد وتلة من القتلى. من يرحمنا من كلّ هذا الذنب، ذنب النجاة؟

لا نعلم الفاعل بعد، إلا أنّنا نعرف كلّ المتورّطين، وبالأسماء والصّور، ونحفظ ابتساماتهم

في لائحة القتلى هذه أسماء كثيرة، وهناك مجهولون. من هم هؤلاء المجهولون؟ ربّما يكون أحدهم جارك، أو تكون إحداهنّ الفتاة التي خطفت قلبك وأنت تراقبها تمرّ من بعيد، يوم الأحد 2 آب في محيط منطقة مار مخايل. عندها توقفتَ عمّا كنتَ تفعله وتنبهتَ وقلتَ لعقلكَ أرجوكَ سجّل هذه الذّكرى. عندها حدث الشّعر، حوّل عقلُك الواقعَ إلى كناية، صار المرور هو اختزال الرغبة والمحبة والجمال. هل سجّلتَ تلك اللّحظة في خيالك؟ اللّحظة الّتي رأيتَ فيها الفتاة التي أعجبتك؟ هل سجلتِ هذه اللّحظة في خيالكِ؟ اللّحظة التي رأيتِ فيها الشّاب الّذي أعجبكِ؟ ربّما يكون هو، أو تكون هي، تلك الجثة المسجلة كمجهول. الخيال صعب.. حين ننظر إلى صور الضّحايا ونتخيل أن هناك من هو مُغرَم برؤيتهم، لن ينفعنا ساعتها إلا ما سجّله عقلنا من الذكرى التي حدثت بمحض الصّدفة كي نصف جمال وجود من أحببنا. ذلك لأنّ وصف جمالهم هو خلاصنا الوحيد لإيناس وحدتنا. فمنذ 4 آب حلّت علينا الوحدة مهما أحطنا أنفسنا بالأقرباء. تملّكتنا الوحدة فلم نرتوِ من تخيّل وجوه الآخرين، تملّكتنا رغبة التّشبه بالغرباء عنّا، تملّكنا عطشٌ لمحبة مجهولين يطفئون ذنب النّجاة ولو قليلاً في سماع روايتهم وفي تخيل المشاهد التي يروونها عن نجاتهم التي تشبه نجاتنا.

(2)

الكثير من المشاهد تتالت في الأيام السابقة تولّد إحساسًا بأنّ شكل حياتك قبل 4 آب، سيكون مختلفًا بعد يوم القنبلة الفطريّة الّتي دمّرت مدينتنا. إلّا أنّك عندما تتذكّر هذا اليوم ما الّذي تراه؟ أنتَ ترى نفسَك مندفعًا للتّواري خوفًا عند سماعك الانفجار الأول، أو ترى نفسَك مرميًا على الأرض عند الانفجار الثاني. في الوهلة الأولى لن تصفَ لنا صورة القنبلة، لن تتكلمَ عن دمار المدينة، بل ستتكلم عن الخوف، ستتكلم عن سعيك لإنقاذ نفسك ومن حولك، ستتكلم عن الرّغبة في النّجاة، أي في استمرار الوقت في سيلانه.

لن تحاول أن ترسم صورةً بصريةً إلا بعد فترة من الهدوء، من الاطمئنان. أنا كنت هنا، الباب الزجاجي كان هنا، العصف قدم وهزّ باب الزجاج فانفجر، لولا أنّي هربت قبل ثوانٍ لكانت دمائي تروي الأرض الآن. تبدأ بترميم المكان، وبوضع نفسك فيه، ثم تعيد بناء شريط الزّمن، تريد بكل بساطة أن تستعيد الواقع الماضي. ولأنّك لا تقدر على استعادة النّجاة بشكلها التام، عندها تستخدم البلاغة، لقد نجوت بأعجوبة. كي تتحرر من الوحدة والذنب ها أنت ترسم المشهد، ورسم المشهد هو استيقاف الزّمن عن سيلانه، تجميد الحدث في جريانه. توقفه كما هو، تريد التّحقق منه وأن تتأكد أنك كنت هناك وأنك كنت خائفًا، فالخوف هو دليلك لتخفيف الذّنب. لذا تكون الرّواية هنا هي استعادة الواقع بصفته الحدث الأكثر تعبيرًا، الأكثر بلاغةً، الواقع هو الحدث الدّاخلي، أي الخوف والرّعب وردّ الفعل والأدرينالين.

في كل الصّور المتناقلة للتّفجير/المجزرة، كان هناك أناسٌ خلف الكاميرا، أناسٌ تناولوا كاميرات تلفوناتهم ليصوروا حدثًا من حياتهم اليومية، وجّهوا عدساتهم نحو الحريق في مرفإ بيروت. كذلك في صور ما بعد الحدث، كان هناك شخصٌ ما دائمًا خلف الكاميرا يرى الجرحى ويعاين الأضرار، ولا يتوانى عن تبيان مشاعره، من صريخ وعويلٍ وغضبٍ، أو حتى صمتًا في رجفة يد. كان هناك دائمًا شخصٌ ما يقول “أنا أيضًا كنت خائفًا هناك، فلا تتركوني وحيدًا في ذنبي”.

كانوا جميعًا يريدون أن يبقوا مجهولين، مواطنين، “متطوّعين” كما عرّفوا عن أنفسهم، كي يبقى الحدث بلا صورة، كي يبقى الحدث ذكرى قد تعين على الشّفاء

في التظاهرة التّأبينية يوم السّبت كان الصّمت أوقع من الهتاف. حتّى الهتافات كانت مجروحةً، والهمّة كانت ثقيلةً في الكلام لكنّها عاليةٌ في الاشتباك مع عسكر الدّولة. لم يكن التّعبير هو المهم، عُلقت المشانق في الساحة بلا تفكير بمدى لغويّتها أو رمزيّتها أو بلاغتها، كانت تعبيرًا مباشرًا عن رغبةٍ مباشرةٍ. للمرّة الأولى لم ينظر اللّبنانيّ إلى نفسِه في المرآة؛ في مرآة الآخر ليتعرف إلى نفسه إن كان قبيحًا أو جميلًا، متحضرًا أو متخلفًا، وهو السّؤال الّذي طالما أرّق اللّبنانيين وقضّ (حرفيًا) طويلاً مضاجعهم. بل نظر اللّبناني إلى نفسه من الدّاخل، عندما تعرف إلى الخوف، وعندما تعرف إلى الواقع، سقطت الحاجة إلى المرآة، سقطت حتّى الحاجة إلى التّعبير، عندها انتهت الصّورة، وبدأ الواقع.

وبعد وهلة تنتبه أن الواقع ليس قبيحًا فقط، الواقع يمكنه أن يكون في مكانس شبابٍ وشاباتٍ في الطرقات لا يريدون ولا يردن الكلام أمام كاميرات التلفزيونات، يبحثون بين ركام المنازل عن إمكانية مستقبل في هذه البلاد. هذا فعل يأتي أولاً ثمّ تلحقه الصّورة، لا فعل يبحث عن الكاميرا. هو حدث تلاحقه الكاميرا لتنتج صورةً لإنكار الصّورة، إنها صور إنكار جدوى الصورة والتصوير. فاللّحظة هي لترميم البلاد، ولترميم النّفس، ولتأكيد الخوف الجماعيّ، ولتخفيف الذّنب الجماعيّ ومعالجة الإحساس بالوحدة الذي ينتابنا عبر محبةٍ تجمع آلاف المجهولين في الشّارع. كانوا جميعًا يريدون أن يبقوا مجهولين، مواطنين، “متطوّعين” كما عرّفوا عن أنفسهم، كي يبقى الحدث بلا صورة، كي يبقى الحدث ذكرى قد تعين على الشّفاء.

(3)

عندما مرّت السّيارة القادمة من الجنوب إلى بيروت بالشّاب على “موستيكه” الصّغير حاملًا مكنسةً ورفشًا، يعقدهما على شكل صليب أمامه ويضيق به وبهما المقعد، لم يكن من الممكن إلا أن تتوقّف لتراه، في فرادته التي لم يرغب بها. فالشّاب لم يكن هناك بهدف تصويره، لم يكن هناك كي يظهر فردًا، بل كان هناك في طريقه لتحقيق واقع كونه سيلتحق مع جيش من آلاف المجهولين بلا صورة ولا اسم. هذه كذلك صورة لإنكار الصورة، صورة تحدث مصادفةً كما الحدث، وانعكاسًا له.

هو انهيار الصّورة المصطنعة إذًا، الصّورة المقصودة، وقد ألفنا أنفسنا نحن اللّبنانيين نقصد التّصوير، نقصد التّواجد في الأحداث كي نتصوّر معها وفيها. والأحداث هنا هي أيضًا المكان/الحدث أي the happening ، حيث يرغب الجميع أن يكونوا، ويرغبوا أن يثبتوا أنهم كانوا هنا حيث تحدث الأشياء. في مار مخايل والجميزة، في أماكن السّهر، هناك تبرز المفارقة، حيث كان الرجال والنساء يأخذون “البوزات” في صور السّهر، ويتبختر أصحاب المحال بينهم فخورين بما أنجزوه من بهجة للحياة وفرصة للاغتناء، أما اليوم فهم يتجمّعون أمام محالهم بلا أيّ رغبة في الظّهور، بل يمكننا القول بكامل الرغبة في الاختفاء. الظهور اليوم يعني تأكيد الذّنب، تأكيد أنّ الأمور حصلت بالفعل، أنّ الكارثة/الجريمة وقعت وأنّنا ارتكبنا ذنب النّجاة، فيما الرغبة الآن هي في تخفيف الذّنب.

قد يكون تفجير المرفأ بهذا المعنى قد غيّر طريقة نظر اللّبناني إلى نفسه، لمدّةٍ على الأقل كي لا نتعجّل ونقول للأبد. فقد كان اللبنانيّ قبل ذلك يسعى للظّهور في الصّورة، حتى في أيّام الحرب، ليُظهر مظلوميّته أمام بيته المهدّم، أو ليُظهر بطولتَه أمام القطة التي أنقذها، أو ليظهر جماله بثيابه الّلامعة الجديدة. أمّا اليوم فهو مكلومٌ أمام بيته المهدّم، ومنقذٌ للقطة من تحت الركام، بثياب مغبرة بالية أو حتى بثياب جديدة لامعة، إلا أنه على كلّ حال موجود بمحض الصّدفة، بطولته بمحض الصّدفة، ووجعه بمحض الصّدفة، وجماله بمحض الصّدفة. هذا هو الشِّعر الذي يحدث ولا يُقال، هذا هو الوقت الذي يَكتبُ في أرواحنا نصّ المستقبل. حين يكون الزمن المارّ والمكان المحيط أكثر بلاغة من صورته، حين يكون الواقع أكثر تعبيراً من الاستعارة، وحين نتيقّن أن النّجاة ذنبٌ ووحدةٌ، وأن علينا الغرق في الحدث وسيلان الزّمن كي نعالج الذّنب بالخوف، والوحدة بمحبة المجهولين.

 
×