هناك، في المكان الذي لن أنسى ما حصل لي فيه، في مبنى الهجرة والجوازات في حمص، كنتُ أجلس أمامه على الكرسي، وهو من خلف الطاولة يحدّق بانتباه في حركة بؤبؤي عينيَّ. كالثعلب يترقب لينقض، وكأنه ينتظر اهتزازاً بؤبؤياً موارباً يشي بارتباكٍ ما، فيدله على محاولة غش أو تزوير أريدُ من خلالها التحايل عليه وعلى القانون. فجأة، أزاح نظره عن عينيَّ ليقوم بجولة في ملامح وجهي، وكأنه كلَّ من انتظار الوشاية في عينيَّ فأراد ارتجافاً واشياً من خدّيّ. كم كان ذكياً وبوليسي السلوك، لكن شيئاً لم يحصل، فقد كنتُ ثابتاً كشجرة. شَعرَ بالإحباط قليلاً، التقط جواز سفري ونظر إلى صورتي فيه. ثم عاد إلى النظر في ملامح وجهي باستغراب. ومنه انتقل إلى صورة وجهي في هويتي الشخصية، ثم عاد مرة أخرى ليحملق في ملامح وجهي بالاستغراب نفسه، ليعود إلى صورة وجهي في بيان القيد العائلي. لحظات صمتٍ مرّت قبل سماعي صوته الأجش يسأل؛ “هل لديك بِطاقةٌ أخرى تحملُ صورتك؟”. أعطيته بطاقتي الجامعية، وما إن نظر إليها حتى قفز من كرسيه صارخاً: “إي لاء. مستحيل. كيف لي أن اقتنع بأنك لم تزوّر كلُ هذه الصور؟ كيف لك أن تقنعني بأن هذا الذي يجلس أمامي هو ذاته الذي في الصور، وأن الذي في هذه الصورة هو ذاته في الصورة الثانية وهو ذاته في الـ.. أي يا أخي، ليست هناك صورة تشبه الأخرى، ولا صورة تشبهك، فكيف لي أن أصدّق أنك لم تزوّر الصور؟ بالله عليك، أهذا أنت؟”.

أنهى سؤاله وهو يواجهني بصورتي في البطاقة الجامعية. نظرت فيها ملياً. نعم هذا وجهي، وهل يُعقل ألا يكون هذا الوجه لي؟! هذا أنا في السنة الجامعية الأولى وقد كان شَعرُ رأسي غزيراً حينها. كنت قد أطلقت لحيتي زهداً بسبب فقداني (هيام) حبيبتي أيام الدراسة الثانوية، فقد اختارت الدراسة في جامعة دمشق. كنت أكتب لها الخواطر اللطيفة على “فيسبوك” فتظهر إعجابها بي، واستمر حبنا بتبادل “اللايكات” فقط. وفي الوقت نفسه تقرّبت من زميلتي (غرام) في الكليّة، وفي نهاية الأمر ارتبطت بـ(سهام) وحلقت لحيتي. اتمنى اليوم أن اطمئن إلى سلامة أي فتاة منهن. هل يعقل أني تغيرت حتى صرت شخصاً آخر غير الذي في الصورة؟ وإذا ما التقيت بواحدة منهن، فهل ستعرفني؟

شعرت برجفةٍ في اليد اليمنى فثبتُّها باليسرى. وكظمآن في عرض صحراء همست “مرآة .. مرآة، أريد رؤية وجهي” يا الله: ما أردته هو تجديد جواز السفر فقط! وها أنا في امتحان مع الهوية! لقد تغيرت، لا بل تفتت. أنا الآن لست الأنا التي كنتها في أي مرحلة من عمري! هذا ما قاله، فكيف لي أن أثبت أني الكائن نفسه، مستمرٌ باتصال زمني مع تساقط شَعرٍ لا ذنب لي فيه. لقد ذرَرَ كياني ذلك السؤال الصعب. نظرت في وجه ممتحني وقد صار بعيداً خلف الطاولة الكبيرة التي تفصل بيني وبينه. انتبهت في حينها لكبر حجمها، وكأنها صُممت بمقاييس تجعلني بعيداً حيث لا تُرى أناي. بعيداً عنه وهو الحاكم الذي يحاكم ضياع هويتي على الضفة الأخرى من الطاولة.

مهلاً، وجهه صار أبعد! الطاولة مسحورة وتُباعد بيننا كلما تذرّرت أناي!

قلت له قبل غياب أناي المطلق: “عفواً منك، أُسجن ألف مرة بتهمة أني زوّرت، وأدافع حتى الموت عن اتهامي بأني تغيّرت، وأنا أنا وما تغيرت”.

نظر باستهزاء وقال: “إذاً، هاتنا بإثبات أنك أنت أنت يا بطل” ثم صرخ: “المراجع التالي يا أبو عبده”.

لملمت فُتات هويتي الضائعة في كل تلك الأوراق التي حاولت من خلالها إثبات وجودي وفَشِلت، وخرجت مهزوماً بلا هوية، وخطواتي مترنحة والمبنى يدور بي. رأيتُ شبح رجل يقترب. نظر إلي وخاطبني: “اتعرف من أكون؟” نعم، أعرف وجهه، فقلت: “أعرفك، أنت الكاتب ميلان كونديرا، صاحب رواية (الهوية) التي تحكي عن ضياع الهوية وتذررها” فنظر شبحه إلي باستغراب وقال بلهجة عاميّة: “شو عم تحكي يا عمي، أنا أبو عبدو، مُعقب معاملات عكيفك، ادحشلي بين وراقك ألف ليرة وانطرني دقيقتين بالضبط”.

دقيقتان فقط وعادت لي هويتي الضائعة.

شكراً أبو عبده، لولاك لبقيت هائماً بلا هوية.

 
×