أربعة أيام قضيتها في جبال الألب، بصحبة ثلاثة من أصدقائي. أكتب هنا عن بعض تفاصيل رحلتنا، لأشكر، أولاً، صديقتي الألمانية لاورا التي تولّت أمور الرحلة بأكملها وحققت لي رغبة قديمة في التنزه على جبال الألب. كنت أخبرتها سابقاً أنّني منذ سنوات طويلة لم أذهب إلى الجبال.

عزيزتي لاورا،

أدرك أنّني على مدى الأيّام الأربعة، تحدثت مطوّلاً عن بلدي، لا سيما عن مدينتيّ اللاذقية ودمشق الأقرب إلى روحي. وكنت طوال الوقت أجري المقارنة بين هنا وهناك. تلك عادة تلازمني منذ أن غادرت بلدي واستوطنت هنا! وأحياناً كنت أقطع استرسالي بالكلام، أو أغيّر الموضوع، خشية أن تكوني قد سئمت من سماع قصصي عن سوريا وحياتي فيها بحلوها ومرها.

لكن ما أن وطئت قدميّ سفح جبل من جبال الألب، حتى رأيتني طفلة برفقة خروفي نلعب ونتجوّل، كعادتنا، في قريتنا القابعة على سفح جبل من جبال اللاذقية وفي الذاكرة النازفة.

تبدو المقارنة بين جبال الألب وجبال الساحل السوريّ فكرة غير منطقيّة، إذ أنّ أعلى قمة في جبال ساحلنا لا يتجاوز ارتفاعها عن سطح البحر 1550م. لكن رائحة الصنوبريّات، كانت كافية كي تطيّرني إلى هناك.

إحدى تفاصيل رحلتنا التي ستنغرز في ذاكرتي ما حييت، هي دهشة سيّدة أستراليّة التقينا بها في إحدى الأمسيات، أمام غرف حمام النّزُل الذي بتنا فيه. بادرتنا الحديث عن وعورة الطريق إلى أعلى الجبل، ثم سألتنا من أين؟ قُلتِ لها إنك من بافاريا وتقيمين في برلين. ثم كانت قد انحنت لتجفف قدميها، حين قلتُ: أقيم في برلين وأنا من سوريا. لحظة صمت مهولة مرّت بعد أن نطقتُ بكلمة السر، “أنا من سوريا”، لم تعدّل انحناءة ظهرها فحسب، بل رفعت أبصارها صوبي بعينين تملأهما الدهشة وهي تقول: “وااو! واااووو!. سوريّةٌ في جبال الألب!؟”.

كانت تلك الأستراليّة محقّة، ولا عجب من اندهاشها، فسوريا في نشرات الأخبار كلّها، بلاد دمّرتها الحرب. وها هي تلتقي بإحدى الناجيات. مواقف مماثلة كثيرة تكررت معي، ومع سوريين آخرين في ألمانيا، أينما حللنا نتحول إلى ما يشبه حيوانات السيرك، مثار دهشة، إضحاك أحياناً، وتعاطف “ممل” أحياناً أخرى. “واوو! سوريّةٌ في جبال الألب!؟” تبدو لي العبارة عنواناً مغرياً لكتاب مغامرات شيّقة!

وعدتك أنني يوماً ما، حين أعود إلى سوريا، سأدعوك إلى هناك، وسأشاركك ذلك الوجه الذي كانت تخفيه طغمة الاستبداد فيما مضى، وباتت تغمره مشاهد الحرب اليوم

في اليوم التالي، بينما كنّا نسلك طرقاً شديدة الوعورة، افترضنا مازحين، إنْ حدث وتأذّى أحدٌ منّا أو حدث انهيار ثلجي، أنّنا سنضطر للاتصال بطاقم الإنقاذ وطائرته المروحيّة. إنّما ولحسن الحظ، قطعنا دروبنا تلك بأمان وسلامة.

في صباح اليوم الثالث، حكيت لكم أنّني حلمت بطائرة مروحيّة كانت تحوم فوقنا وحولنا، لكنّها كانت ترمي القنابل! ركضت بينكم هلعةً، أناولكم مناشف مبلّلة بالماء كي تتنفسوا عبرها وتحموا أنفسكم من غاز القنابل السّام…

قبل أن أكمل سرد الكابوس، توقّفت عن الكلام حين رأيت تأثّرك وأحسستُ بغصّتك، لاورا. شعرت بالأسف، أنا المثقلة بعذابات بلادي. ما كان عليّ أن أحكي ذلك في صباح جميل وهادئ، على سفوح جبال الألب الساحرة. صمتُّ، ثمّ واصلنا أحاديثنا في موضوعات شتى، لكن هدير المروحية كان لا يزال يدور في رأسي، وأصوات القنابل تحجب عن سمعي ما يدور من كلام حول الطاولة.

لو تدرين يا عزيزتي، كم أقدّر تأثّرك وإحساسك الإنسانيّ النبيل، وكم أثمّن كرمك، وما قمت به لأجلي؟!

كانت صدفة رائعة حين تعرفت إليك في برلين. بادرت بالحديث إليّ باللغة العربية، “مرحباً، أنا لاورا وأنا أتكلم العربية قليلاً”. نطقك لحروف لغتي الأم محبباً جداً، خصوصًا حين تخلطين بين الأحرف، القاف/الكاف، الحاء/الهاء، وبين العين والألف. يومها كانت دهشتي تتقاطع، بشكل أو بآخر، مع دهشة السيدة الأسترالية في جبال الألب، قلت لنفسي: وااوو ألمانية تتحدث العربية!

بعدها وخلال لقاءاتنا العديدة، أخبرتني بأنك كنت قد زرت سوريا قبل سنوات، وحدثتني عن بعض تجاربك فيها، عما أحببتِ وما لم تحبي، خاصة في دمشق.

قلت لك مرة أن للشام وجوهًا عديدة، وخفايا ساحرة لا يعرفها إلاً الفضوليين مثلي من زوارها أو ممن يقيمون فيها، ثم وعدتك أنني يوماً ما، حين أعود إلى سوريا، سأدعوك إلى هناك، وسأشاركك ذلك السحر الذي أحدثك عنه دائماً، وذلك الوجه، الذي كانت تخفيه طغمة الاستبداد فيما مضى، وباتت تغمره مشاهد الحرب اليوم، ذلك الوجه الذي لا تتحدث عنه قنوات الإعلام، ولا تعرضه شاشات التلفزيونات.

يا إلهي، كم أتطلع بشوق إلى ذلك اليوم، الذي سأستضيفك فيه في دمشق يا عزيزتي لاورا.

 
×