لم أشهد هزيمة 1967 ولم أشعر بألمها بشكل مباشر، ولا رأيت انكسار النفوس ولا سمعت بيانات كاذبة عن انتصارات وهمية. تفتّح وعيي على أنني ابنة الشهيد، فكنت أعتقد، وأنا في السادسة، أنَّ اسم عائلتي هو الشهيد. ثم في الثامنة اكتسبت مفردة جديدة فأصبح اسم عائلتي المتخيل هو “الشهيد حرب”. ثم تطورت حصيلتي اللغوية وأصبحت أقول بفخر-من دون أن أفهم كلمة واحدة- أنا ابنة الشهيد (نعم كنت أضع ال التعريف) حرب الاستنزاف (كنت أنطق تلك الأخيرة بسرعة كيفما اتفق). كانت أول هوية لي هو أنني ابنة شخص غائب بسبب حرب ما. ثم أدركت أنّ المسألة ليست هيّنة عندما سمعت صافرات الانذار وتوجهت نحو البلكونة أتساءل عن مصدر الصوت، فلم أجد إلا ويد أمي تسحبني إلى الخلف بعنف وتحذرني من الاقتراب من أيّ نافذة. فهمت بعد فترة أنّ تلك كانت حرب أكتوبر 1973. بدأ حينها بناء كوبري 6 أكتوبر الذي أصبح يربط أطراف القاهرة كلّها. مع الوقت، ومع تصاعد نشوة النصر، ظهر اسم فلسطين مكتسياً بشجنٍ ورومانسيةٍ نابعين من توقيع معاهدة كامب ديفيد مع عدو محتل.

تتحول فلسطين إلى السند الأوحد في النضال: الرحلة كلّها تبدأ من القضية الفلسطينية. نتلقى حلقات تثقيفية تُعمّق فهمنا للقضية وتصوغ موقفنا الحاد. يقرر مبارك أن يعدّل الدستور ليترشح لولاية سادسة فنهتف: “ليه الطلبة معتقلين؟ علشان قالوا يا فلسطين… طَبْ يا فلسطين ويا فلسطين ويا فلسطين…”. ثم تحولت فلسطين إلى أداة مواجهة مع الإسلاميين. كانوا يهتفون: “فلسطين إسلامية”، فنرد: “لا شرقية ولا غربية، فلسطين عربية”. ثم تعود فلسطين لتظهر في ذروة الحكم الإسلامي القصير في مصر: “ع القدس رايحين شهداء بالملايين”. هكذا بقيت فلسطين هي الركيزة المادية والجغرافية والسياسية والنفسية التي نستند إليها في كلّ أزمة. وعلى الرغم من متابعة سقوط بغداد يوم 9 أبريل عام 2003، بقيت فلسطين في القلب من الخطاب. وعلى الرغم من هول مشهد وجود الأمريكان في قلب بغداد، بقيت فلسطين هي الأصل في الهزيمة. وعلى الرغم من جميع الكوارث التي أصابت العراق والعراقيين جراء الاحتلال والعنف الداخلي، ظل بناء المستوطنات يثير الغضب. وعلى الرغم من فضائح سجن أبو غريب، ظلت سجون الاحتلال الصهيوني هي الدليل الدامغ على ضعف حكامنا وتواطؤهم ولا مبالاتهم تجاه اغتصاب جزء من الأرض. ظلت فلسطين هي مؤشر تعبيرنا عن الغضب.

“ليه الطلبة معتقلين؟ علشان قالوا يا فلسطين… طَبْ يا فلسطين ويا فلسطين ويا فلسطين …”

على مدار السنوات لم تدخل مفردة فلسطينية واحدة في العامية المصرية. كنا نؤمن بقدرة التظاهرة والمسيرة والبيانات على التعبير عن الغضب والرفض والاستنكار. كنا نصدق أنه يوماً ما ستعود فلسطين، وسنزور الأقصى. كنا نرتدي الكوفية الفلسطينية ونغني “يا فلسطينية وانا بدي أسافر حداكو”. كنا نعلن ونجاهر ونقاطع ونتهم ونصرخ. كان لدينا لسان. وكنت أتفاخر: “أنا ابنة الشهيد”. كيف احتلت سوريا مكان فلسطين في مؤشر الغضب وتحولت إلى جزء من الخطاب السياسي واليومي والنفسي؟ كيف أصبحنا- نحن المصريين- نقول: “منشان الله”، ونستنكر قائلين: “ما بيصير ها الحكي”؟ كيف استبدلنا كلمة “خالص” بكلمة “بنوب”…؟ كيف أدخلنا تلك المفردات في لغتنا اليومية ورحنا نبتسم بتواطؤ كلما نطقناها أو سمعناها؟ كأننا نقوم بالمهمة نيابة عن السوريين: لأننا لا نملك شيئاً حيال عنف مهول في سوريا، قررنا أن نمنح لغة أهلها مركزية وندّية مع اللغة العامية المصرية. بعدها تربّع الأكل السوري على موائدنا. استخدمنا دبس الرمان ووضعنا حبّات الرمان على بابا غنوج. ربما لأننا زرنا سوريا، كانت علاقتنا بالمكان بمثابة توحّد معه. كنت أصرخ وأقول: “مخيم اليرموك”، وغيري يقول: “المزة” ثم “حلب” و”درعا” و”الرقة”. المكان ينهار على شاشة التلفزيون واللسان مقطوع والصمت مفروض والقلب يشتعل. نحن شهود عيان بالصوت والصورة والحكاية. نحن الذين يتم تهديدنا أنّ أيّ اعتراض سيجعلنا “مثل سوريا”. نحن الصامتون عجزاً والمذبوحون ألماً والمنكسرون هزيمةً. تزداد النوستالجيا فنشجّع الطلاب على قراءة أدب سوريا. فعلٌ يكلل بالنجاح. تظهر يوميات الحرب في الأدب المقارن وندرس الكاريكاتير السوري كجزء من منهج الدراسات الثقافية. وفي الاحتفالات نأكل “برازء” (هكذا ننطقها ولا أعرف اسمها الأصلي).

لأننا لا نملك شيئاً حيال عنف مهول في سوريا، قررنا أن نمنح لغة أهلها مركزية وندّية مع اللغة العامية المصرية

كلما صرخنا بغضب تجاه ما يحدث في سوريا، زايد علينا الجيل الأكبر أنَّ هذا يشبه هزيمة 1967. وكلما انطلقوا في التعبير عن مشاعرهم، ذكّرتهم بالتهجير الذي وقع لأهل السويس، وأقول إنّ هناك الملايين من الشعب السوري الآن في المخيمات أو يسعون جاهدين من أجل الوصول إلى الحدود. كأنَّ كلّ من مرّ بعام 67 فقد القدرة على الغضب. كأنّها كانت الضربة القاصمة. مرّت أزمة ابنة الشهيد، وتفتح الوعي على فلسطين، وبكينا على العراق، لكنّ سوريا تقف غصّة في الحلق.

نكتب في عالم لا مبالٍ. نقرأ ليزداد الألم. وتتحول سوريا إلى جزء من أزماتنا الشخصية والمجتمعية والسياسية (يمكن صرف النظر عن تلك الأخيرة). أحاول مواجهة الأزمة بأقسى طريقة: أتابع وضع النساء السوريات في المخيمات وأقرأ التقارير والشهادات ثم أكتب بحثاً عن كيفية تحول المخيم الذي يُفترض أنه مكان آمن، إلى بقعة خطرة يُعاد فيها إنتاج النظم الأبوية المتسلطة كافة لتتراجع الحركة النسوية أعواماً إلى الخلف. أؤكد أنَّ أحد المؤشرات هو ارتفاع نسبة العنف المنزلي وازدياد نسبة الزواج المبكر لأن الأهل يخافون على ابنتهم من الاغتصاب. تعلّق واحدة من الجمهور أنه لا بأس، فالزواج المبكر هو جزء من التقاليد. أحاول أن ألفت نظرها إلى خصوصية السياق فلا تبدو مهتمة. بعد الجلسة يهمس لي المتحدث الذي كان معي على المنصّة والذي ينجز رسالة الماجستير في ألمانيا، أنه كان في مخيم الزعتري وأنَّ “العالم مبسوطين كتير هونيك”، على حدّ قوله. أسأله من أيّ مكان من العالم أتى يقول: “من الشام”. أسرح بعيداً ولا أجد ما أقوله، أو لعلّي فقدت الرغبة في مواصلة الحديث.

متى أنتج العالم هذا القدر من اللامبالاة؟

هل صنعه في غفلة منا أم أننا ساهمنا في تعميق الأزمة؟

حاسّة حالي مو منيحة بنوب…

 
×