ليس لدى الكولونيل من يكاتبه.

يخطر لي عنوان ماركيز وأنا أمشي في شوارع البلد، وتعترض الحكايات طريقي. عشر سنين من الحرب حوّلت الجميع إلى رواة. أصبح لدى الجميع من يكاتبونهم. لدى الجميع قصة ويريدون فردها على مسامع أول عابر سبيل، وليكن أنا..
بتّ أعرف أن قسمات وجهي الهادئة تشي بمستمع جيد، على غير حقيقتي، وأني من يلجأ إليه من يريدون إزاحة قصة عن كواهلهم، كما لو أنهم يعتقدون أني أستطيع قضم جزء من سفرجلة التعاسة بما يخفّف مرارتها عنهم، وإن كان لا يُنبئ بمصير حصتي منها…

(1)

عند موقف الحافلات، تنظر إليّ المرأة التي ينحني كتفها مع ثقل الأكياس بين يديها. وتقول لي من دون مقدمات: “جئت إلى سوق الخضار هذا لأن أسعاره أرخص. أريد أن أشتري البامياء لأن ابني الأصغر يحبها، وهو سيأتي غداً في إجازة من خدمته العسكرية”. أهزّ رأسي، فتتابع. “كلا ولديّ في الخدمة الإلزامية، الكبير في الشمال، الصغير في ريف دمشق. قريباً سيأتي أكبرهما ‘حنا’ لنقيم له إكليلاً في هذه الكنيسة”. تقول وتشير بيدها إلى الكنيسة القريبة.

لا أعرف عمّ سأجيب بالضبط. لقد رشقتني بالكثير من القصص دفعة واحدة، ويصحّ أن أردّ على التتالي:

“اثنان دفعة واحدة!، آمل أن يظلا بخير، مبارك للكبير، طيبة البامياء، ونعم سوق الخضار هذا أرخص”، لكني أفكر بجواب واحد لاختزال الحديث: “الله بيعين”، وإن كنت لا أملك أي ضمانات بمدى فاعليّته.

(2)

“كم تريد؟” أسأل السائق الخمسيني قبل أن أصعد إلى التاكسي، في محاولة لاختصار خلاف لاحق على الأجرة.

“اطلعي. اطلعي”، يشير لي بيده داعياً، ويهزّ رأسه بما معناه، “لا يهم”.

أصعد وأحاول عبثاً أن أقحم نقطة في حديث على وشك أن ينفرد. “لن نختلف على بضع مئات من الليرات، فقد خسرت 700 مليون ليرة”، يقول لي مصرّاً على الشرح.

“اشتريتُ بهذا المبلغ بضاعة لمعملي، وجئت إلى اللاذقية لأتمم عملاً، ثم سيطر المسلحون على ريف اللاذقية الشمالي، ولم أستطع العودة منذ عشر سنين”.

“ومن أخذ البضاعة؟” أسأل عن تفاصيل القصة التي وجدت نفسي فجأة في منتصفها.

يهزّ رأسه ويصمت، عارفاً بالطبع أن الجواب سيصلني ولا سبيل للتوضيح أكثر (عقدة الخوف السورية من المُخبرين).

“مع الكورونا تدهور حالي أكثر. ولم يذق أولادي منذ شهور سوى الشاي والخبز”، يتابع، محاولاً نقل شماعة البؤس من طرف إلى طرف.

لا أجد مواساة تكفي لكل هذه الفظاعات، وأرجّح أنه غير مهتم بجوابي، فليس ثمة أجوبة تكفي للسؤال:
“لماذا حدث كل هذا؟”

أكتفي بأن أقول: “كلنا متعبون يا عم، شو طالع بالإيد”.

(3)

“ازداد سعر فنجان القهوة اليوم. ثلاثمئة ليرة بدلاً عن مئتين”، يقول لي العشريني الذي يبيع القهوة تحت الجسر، في محاولة لتنبيهي (عادة سوريّة جديدة: يقول لنا البائع السعر الجديد سلفاً، في محاولة لاختصار الجدال. حكاية الغلاء ليست مشوّقة كباقي الحكايا، ويُكتفى غالباً للتعبير عنها بهزّ الرأس والشتائم).

“اليوم ب 200 أو 300؟”، أسأل الشاب في موعد مروري اليومي به.

“لا فرق”، يجيبني. “مية وميتين ماعاد يأثرو”.

أفكر بمقدار اليأس الذي يوصل إلى هكذا نتيجة.

ربما لم يعد شيء يؤثر فعلاً. لقد بلغت الفداحة مبلغاً لا ينفع معه شيء.

“كلّ عضة بغصّة”، يقولون عن السفرجل.

هل ازدادت أسعار السفرجل يا ترى؟!

(4)

بانتظار الحافلة التي تأخرت، ينظر إلي الرجل السبعيني متأففاً ويبدأ حكايته:

“تأخرت، كان لازم روح وإرجع قبل العتم”. “أتعرفين.. أولادي الأربعة في الجيش، وأحاول بشتى الوسائل الوصول إلى طريقة لتسريح أحدهم”.

“بسيطة يا عم، سيأتي الباص قريباً”، أجيب عن نصف القصة القابل للحلّ، وأتجاهل الباقي.

يأتي الباص ونصعد معاً. كما لو أن هذه الـ “معاً” لعنة.

(5)

أتذكر المرأة التي ظهرت في أول الحرب على إحدى القنوات الرسمية. يضعها عقلي في مقارنة مع السبعيني وهي تصرّح على الشاشة: “استشهد ابني، وعندي ثلاثة غيره. وكلهم فداء الوطن والرئيس”. يبدو الأمر كما لو أنها توزّع ميراثاً يخصها. أتخيل المحاصصة:

“سأهب الأكبر لجبهة الجنوب. الأوسط لمعركة تدمر. الصغير لجبهة الشمال، فهذه ستأخذ وقتاً أطول، وسيكون قد كبر حينها”.

أي تبذيرٍ في الحبال السرية!

أفكّر كذلك بدعوات المسيرات التضامنية التي تنتشر هذه الأيام، مقابل دعوات المظاهرات التي يشاركها على الفيسبوك “الأصدقاء” في “الخارج”.

وأقرر أن كلتا الدعوتين صالحة، وأن علينا فعلاً أن نسير.

لكن إلي أين؟

تخطر لي فكرة مسرحية ناطورة المفاتيح (ترك البلدان تخلو بحكامها):

“قولولن ما يضلّ حدا. كلنّ لازم يرحلو. خلّي المدن تفضى وتتسكر البيوت.
متل رفوف الطير بيمشو صوب رياح جديدة، بيمشو”.

لكن السؤال يرنّ:
هل من مفرّ؟

(تقول قصص المنتحرين في المنافي أن مغادرتك بلداً ليست ضماناً أكيداً لمغادرته إياك).

(6)

ماذا تنتظرون؟ أسأل الرجال الواقفين تحت الشمس في كراج حافلات جبلة. يجيب أحدهم: “كل واحد منا ينتظر شيئاً مختلفاً”؛ الحرب جعلت الجميع يتحدثون كفلاسفة.

يجيبني آخر: “ناطرين فرج الله”.

يسألني الثالث: “وأنتِ؟ ماذا تنتظرين؟”

أجد نفسي فريسة السؤال الذي طرحتُه، وأجاوب مضطرة:

“في هذه اللحظة أنتظر الحافلة التي تتجه إلى قريتي. في الأوقات الأخرى أنتظر أشياء لا فائدة من تعدادها”.

تأتي حافلات عدة تتجه كلّ منها إلى واحدة من قرى جبلة التي تتسابق في حصتها من أعداد الشهداء كما لو في ماراثون.

يصعد كل واحد منّا، نحن المنتظرين، إلى حافلة مختلفة، دون أن يكون لهذا “الاختلاف” أية دلالة.

(7)

أفكر بمصير هذه الحكايا التي قد تُحذف يوماً من ثرثراتنا بداعي الرغبة بالتعافي، وتُحذف من الوثائق التاريخية بحجة اللاموثوقية والإغراق في الرومانسية. وأتساءل ألن يأتي يوم يكتب فيه المنتصرون القصة على طريقتهم، كما هي العادة، ويلصقونها عنوة في الكتب المدرسية مثل قصة حدثت فعلاً؟ وهل من سبيل إلى جعل هذه الحكايات، هذه “المكاتيب”، تصير أكثر من قصص تروى لعابر اعتباطي، وليكن أنا؟

أتذكر فيلماً مصرياً قديماً كنت قد شاهدته ترسل بطلته “رسالة إلى الله” ليشفيها من الشلل. تكتب الرسالة الورقيّة مساء، وتُشفى في الصباح.

هل من شفاء هنا؟ في هذه البقعة المنكوبة من العالم؟

أضمن أن جميع من يروون لي قصصهم سيتخلون طوعاً عن هذه “الثرثرة” لو أسرّيت لهم بهذه الطريقة:

“اكتبوا حكاياكم لله”؛ حلٌّ أخير للعاجزين، والورق وفير في بلد الأوراق؛ أوراق النعي والإعلانات والمعاملات الرسمية والطيارات الورقية وصور المرشحين.

(8)

“ليس لدى الكولونيل من يكاتبه”…

يخطر لي عنوان ماركيز وأنا أمشي في شوارع البلد، وتعترض الحكايات طريقي. أحاول عبثاً أن أتذكر الخاتمة التي آلت الحكاية إليها، وفيما إذا كانت رسائل الكولونيل قد وصلت إليه أم لا. وعندما أفشل، أركن إلى فكرة أنّ “المكتوب يُقرَأ من عنوانه”، وأن مجرى القصة لا يهم.

العنوان العريض على الغلاف يُقرّر:

“ليس لديه من يكاتبه”…

المزيد من هذا المؤلف

العالم في عطلة

عسلٌ هشّ

 
×