تعنّفني صديقتي الطبيبة الروسية التي تعمل في مركز تجميل: “أنتم السوريون مجانين! إزالة أشعار بالليزر، حقن بوتوكس، بلازما، مواد مالئة، تكبير صدر، تجميل أنف …، بلادكم في حرب وأنتم مشغولون بعمليات التجميل!”

أخرج من عندها خجلةً. أجل، بلادي في حرب، لكن المقاهي تكتظّ بروّادها والشارع مزدحم بالسيارات الفخمة، وإعلانات مراكز التجميل ونوادي اللياقة البدنية تملأ الأرصفة والطرقات معلنةً عن عروضها المغرية. أشرد في سؤال: لمن تتجمل نساء المدينة، وقد مات من مات وهاجر من هاجر؟ وأجيب: ثمة طبقة ما زال شبابها ورجالها على قيد الحياة، والنساء اللواتي يتجملن هنّ نساؤهم. هذه الإعلانات لا تخصّنا، بالطبع!

***

“عادت مراكز انطلاق الحافلات إلى حرستا في دمشق”، أقرأ الخبر على التلفاز، وأتذكر زيارتي الأخيرة إلى دمشق. ثمة جسر يفصل بين منطقتين، منطقة مدمَّرة بالكامل، وأخرى لم تمسّها يد الحرب، وعلى امتداد الرصيف المحاذي للمنطقة المدمّرة لوحات طرقية لآثار سوريا ومعالمها السياحية مكتوب تحتها “حلوة يا بلدي”، أضحك أم أبكي؟ عملية تجميل فاشلة!

***

تكتظّ مداخل مدن الساحل بلوحات طرقية كبيرة أُلصقت عليها صور شباب قضوا في الحرب. قد ترى في اللوحة ذاتها صورة الأب والابن أو صوراً لأخوة أو أبناء عمّ، الواحد منهم بجوار الآخر. لم تنجُ عائلة واحدة من خسارة أحد شبابها. ماذا عن المدن المدمَّرة؟ هل تتسع مداخلها لصور الضحايا؟

***

لوحات طرقية تعلن عن حفلات لمطربين في مطاعم المدينة الفخمة، قد يتجاوز سعر البطاقة المئة دولار، “سوريا بخير”!

***

لوحات لمراكز إخصاب تعلن عن استعدادها لإتمام العائلة: “معاً نكمل العائلة”! أضحك في سرّي، العائلة السورية تنقص كل يوم بفعل الموت والتهجير، وما زالوا ينجبون الأطفال في الحرب للحرب!

***

كان مشروع تخرجي الجامعي عن العناكب، عن نوع من العناكب يفترس أمّه ما إن يخرج من بطنها. كان مشروع تخرجي الجامعي عنّ الذين افترسوا بلدنا. لعلّه، بمقدار منّا، كان عنّا جميعاً.

***

أحسب أنني أُفرط في اليأس. سوريا بخير. يرتفع سعر صرف الدولار والأسعار بجنون، يرتفع عدد البطون الخاوية، والأرحام الممتلئة.

***

فكّر في أمنك الشخصي وحده. لا تقتني سوى الأشياء الضرورية. كل شيء عدا ذلك ترف عليك أن تعزف عنه. هذا ينطبق على الخضار والفاكهة.

***

أمرّ وصديقتي قرب مطعم جديد فاخر وسط المدينة. تنظر واحدتنا إلى الأخرى وتضحك: تتشابه النساء هنا إلى درجة يصعب معها تمييز إحداهنّ من الأخرى لولا الثياب. توائم عمليات التجميل.

أقول لصديقتي: لطالما فضّلت القطط البرية على قطط المنازل.

على الجدار قبالة المطعم صور الشهداء.

***

غير بعيد عن المطعم، ثمة طفل ينبش حاوية القمامة، يجمع علب المشروبات الغازية ويضعها في كيسه. في الحاوية من بقايا طعام ما يكفي مبنى بأكمله من مباني المدينة.

***

تقول لوحةٌ إعلانية: نستطيع تأمين خادمات من الفيلبين، تايلاند، إثيوبيا، سيريلانكا. كأنَّ بيوت الأثرياء ليست في سوريا التي تُعَدّ من الأمكنة الأخطر في العالم، ها قد عادت الخادمات.

***

إعلانات لمتاجر تبيع فساتين زفاف أو تؤجّرها، وأخرى لمصففي شعر ومزيّنين. إعلان عن عرس جماعي ترعى حفله شركة اتصالات. أتذكر رواية عتيق رحيمي حجر الصبر، تقول البطلة: “الرجال الذين يمارسون الحرب، لا يجيدون ممارسة الجنس”.

***

تزوجت زميلتي في العمل ولم تبق مع زوجها سوى أسبوع واحد. ذهب العريس إلى الحرب وعاد بعد أربعة أشهر ملفوفاً بالعلم الوطني.

***

تقول زميلة أخرى: كان عليّ أن أبحث عن مدرسة لم يُطلق عليها بعد اسم شهيد كي يخلّدوا اسم زوجي، لكنني فشلت. سيقومون ببناء مدارس جديدة، هكذا أخبرني مدير التربية.

***

ينتفض اللبنانيون، تتغير لوحاتهم الإعلانية فتغدو موحّدة مكتوب عليها “كلن يعني كلن” أو تحمل علم لبنان. أشرد وأتذكر البدايات في سوريا عام 2011، حين بدأت اللوحات الطرقية تتوحّد لدينا “لا للطائفية، نعم للإصلاح”، “طائفتي سوريا”، لم يكن أحد قد أتى على ذكر الطائفية، اللهم ما عدا بعض “المثقفين” الذين سرعان ما تركونا.

***

يقول ت. س. إليوت في “دفن الموتى” من قصيدته الأرض اليباب:

“هاتيك الجثة التي زرعت، في العام الفائت، في حديقتك!

هل بدأت تفرّخُ، وهل تزهر هذه السنة.

أم أنَّ الصقيع المفاجئ أزعج مهدها؟”

المزيد من هذا المؤلف

Related Articles

يا حرية!

لسّاتنا هون

 
×