اعتقدت، كجميع الأطفال، أن المشكلات تُحل كلّها مع العمر، وأنّي عندما أكبر سأصبح شقراء بشعر أملس فتسير الأمور على ما يرام. ما كان بمقدوري وقتها أن أتخيّل أنّي، ببشرتي السمراء، سأتمكن من الوصول إلى ما أتمناه.

ها أنا اليوم أقارب الثلاثين، وقد حققت عدداً من الأهداف. أعيش في شقتي منفردة ولدي عمل أحبه حيناً، وأستاء منه حيناً آخر. عملت في الصحافة لأكتب عن القوانين والحقوق والعدالة بمجرّد تخرجي، ثم عدّلت مساري المهني مع إنهاء دراساتي العليا. أتطلع للاستمرار، ولدي العديد من الخطط. عقدٌ مرّ على انتقالي إلى بيروت، العاصمة التي تطحن الوافدين إليها وتطرد أبناءها. أجد نفسي اليوم مستمرة بالصمود ومعاندة الواقع، وقد استبدلت حلمي بأن يتبدّل لوني بحمّامات زيت وساعات تمدّد على الرمل تكثّف السمرة. كذلك استبدلت أدوات تمليس شعري بمجموعة من المستحضرات التي تعالج تلف تجاعيده، حتى أتمكن من استردادها.

أدرك اليوم أننا نُتلف الكثير من ذواتنا فيما نحاول حصد الإعجاب، ولكي نتمكن من الوصول. علماً أنّي، لحسن حظي، استفدت من امتيازات كثيرة أمدّتني بأدوات للقتال: فأنا أحمل هويةً عربية، لهجتي لبنانية بملامح جنوبية، وأنتمي إلى عائلة تفانت في دفعي نحو تحقيق استقلاليتي، ومعها حجز مكانة اجتماعية أكثر حصانة. بسبب هذه “الامتيازات”، فقط، أُقابَل بالاعتذار على المواقف العنصرية التي أتعرّض لها.

وُلدت بوجه لا يحمل “علامات الفرج”. لا النور سطع منه ولا احتقان الدم في خديّ جعلهما ورديّي اللون. ورثت عن أبي بشرةً سمراء داكنة، وهو بدوره ورثها عن أبيه الآتي إلى الشام من الجزيرة العربية. إذاً، أنا كما لبنان وُلدت. لبنان “ذو الوجه عربي” كما وصفه بشارة الخوري يوم انتخابه رئيساً للجمهورية ونصّ عليه لاحقاً الميثاق الوطني عام 1943. يا لها من مفارقة أن يستخدم الخوري هذا التعبير في لحظة تاريخية هي إعلان استقلال لبنان عن مستعمره. الاستعمار الذي لطالما كان “أبيض”. مرّت على الميثاق الوطني عقود قبل أن يكتسب وجه البلد هوية، وبات تبعاً لمقدمة دستوره “عربي الهوية والانتماء”. لكن، برغم كل ذلك، ظلّت هناك مخيلة جمعية مهيمنة ترى ذوي البشرة الملونة غرباء. نحن “لسنا من هنا”، يظن أصحاب هذه المخيّلة. وهذا يجرّدنا من قيمة الانتماء وتحصيناته.

لاحقتني الأوصاف العنصرية بدءاً من ملعب المدرسة، شعري المجعّد بنظر أترابي الصغار، مضفور كـ”العبيد”

للبلاد ذاكرة مرتبطة بألوان شعوبها دائماً. وللملوّنين ذاكرة تتعلق بلون بشرتهم كذلك. كلّ ذكرياتي المرتبطة بلون بشرتي عنصرية وتمييزية، سواء في ما يتعلّق بـ”معايير الجمال”، أو بألوان الأنوثة والرغبة، أو بالمواقف اليومية المقيتة.

يمتلئ رأسي بالذكريات المتصلة بكمية الميلانين تحت جلدي، وبالتجاعيد التي تموج بها خصل شعري. كانت أمي تُجلسني أمامها وتبدأ بتضفيره كما تفعل النساء الأفريقيات تقليدياً. المرأة التي لفتت انتباهها إلى التسريحة هذه، التي لم تكن رائجة وقتها، سمّتها “تسريحة العبيد”.

لقد قرأت مرّة في إحدى المجلات، وأنا مراهقة، أن البشرة البيضاء تدلّ على نقاء شخصية المرأة. أذكر أيضاً أن صديقة من السكن الجامعي قالت لي مرّة إن “الشباب يحبون الفتاة السمراء لأنها مثيرة”. قالتها بإنكليزية منمّقة، ثم راحت تصف ميزات النساء السود القادرات على “إثارة الرجال وإمتاعهم”. أذكر كذلك جلسة بوح قلت خلالها لصديقة “صدّقيني، أنت لا تريدين أن تكوني سمراء. لا تريدين أن تكوني إكزوتيك”.

على هذا المنوال لاحقتني الأوصاف العنصرية بدءاً من ملعب المدرسة. شعري المجعّد بنظر أترابي الصغار كان إما مضفوراً كـ”العبيد”، أو مفروداً كـ”سيف العبد”. في المدرسة أيضاً عرفت وصف “السرلنكية”، أي الخادمة المنزلية بحسب قاموس العنصرية الرائج في بلبنان. أبحث في ذاكرتي على تبعات كلّ ذلك، لكنّي لا أجد فيها ما يُفيد بأن أحداً من المتنمّرين عوقب في يوم من الأيام.

تتوالى المواقف المشابهة في رأسي كشريط أحداث. في الشريط أسير إلى جانب “حديقة الصيفي” وسط بيروت قبل سماعي مناداة امرأة تطلب مني الاقتراب: “بست، بست”. كانت ستينية، فاستجبت من دون التفكير بطريقة مخاطبتها لي. وقفتُ أمامها سائلة إن كانت بحاجة إلى مساعدة، وإذ بمعالم صدمة تحوّر تعابير وجهها.

“اعتقدتك إثيوبية. أريد تنظيف البيت. لا تؤاخذيني”، قالت لي بإرباك بيّن. تملّكني الصمت، كما دوماً في اللحظات المشابهة، وأدرتُ ظهري ومشيت. لقد “استحقّيت” اعتذاراً بسبب لهجتي، ولأنني “من هنا”، لا بسبب الفعل العنصري ذاته.

تطفو على سطح ذاكرتي أحداث مماثلة من غير مجهود. تمرّ أمامي امرأة عجوز تكاد توقع أغراضها، فتبادر إلى طلب المساعدة بتهذيب. أستجيب وأحمل عنها الحاجيات حتى باب منزلها، ثم تدرك أنّي لست بصدد تلقي أي مبلغ مالي، وأني لستُ عاملة في الخدمة المنزلية، فيصيبها الإحراج وتعتذر.

أحمل ذاكرة ملوّنة بلون بشرتي، ذاكرة من ميلانين تعكس عمق العنصرية ومفاعيلها. أحملها لأن كثراً يتوارثون عقداً، بعضها دوني يتولّد لدى ضحايا الاستعمار، وبعضها الآخر جاء من تاريخ سحيق من التمييز لدينا. أحملها لأن هؤلاء يعتقدون أن هويتهم أسمى، وأنها بلون واحد، وأن “الآخرين”، بألوانهم كافة، غرباء. وبما أنهم غرباء، فعزلهم – عزلنا – مسموح، ووجودنا هنا يحتاج إلى تبرير. وكأنها مسألة متوقعة من الملوّنين؛ أن يشعروا بالامتنان لاستقبالهم. أفترض أن هذا هو شعور الفتاة الإثيوبية التي حدثتني بالأمهرية مفترضةً أنّي أنتمي إلى شعبها. على الأرجح، ما كانت الشابة لتقترب من غريبة في الشارع، لولا اعتقادها أنّي أتفهم، في غربتنا المشتركة، الحاجة إلى اللقاء.

 
×