يتقاطع غالبيّة سائقي سيّارات الأجرة، في بيروت، بالسمات التالية:

جميعهم كانوا يشتغلون في “الدولة”. جميعهم كانوا مغتربين في أوروبا، وعاشوا حياةً ملكيّة في القارة العجوز، لكنّهم عادوا إلى وطنهم لأنّ العصفور يحنّ إلى عشّه، ثمّ ندموا. جميعهم يعرفون كواليس الحراك السياسيِّ في المنطقة والعالم. جميعهم كانوا أصحاب معامل واستثمارات وتجارات كبرى، وحين تسألهم “وين راحت هالأرزاق كلها؟”، يجيبونك بصوتٍ عميق تصاحبه هزّة رأسٍ تحيل إلى شيء من الزهد “الزمن دولاب”…

حين أتحسّس شخصية مرحة لدى سائق التاكسي، وأشعر أنّ سوريّتي لن تستفزّ فيه نغمة “أنتو أكلتو البلد يا خيي”، أبادر سريعاً لسؤاله عن أحوال المنطقة، فيعيد تدوير ما قاله سائقون آخرون، ويطول الأخذ والردّ، في إطارٍ بوليسيّ كشفيّ تحليليّ، وصولاً إلى الحديث عن أحوال البلد (لبنان). هنا، أيضاً، يتشابه السائقون في ما يقولونه، لكنّهم يصبحون أكثر صدقاً، وأكثر جديّة، وتتحول ثرثرتهم إلى ما يُشبه الأمنية السوداء “هيدي البلد بدّا زلزال يهدّا باللي فيّا.. غير هيك بعمرنا مش رح نصير خلق وعالم”. فكرة “إن ما كبرت ما بتصغر، وإن ما خربت ما بتعمر”، صارت راسخةً في وعي شريحة لا بأس بها من اللبنانيين.

“اليأس” من إصلاح الأحوال في لبنان، يحيلني، أنا السوريّ الهارب من الحرب، إلى إحباط عرفته في بلدي، وما زلت أتعامل معه بصورة يومية، فأتذكّر “النّيزك”.

قبل أعوام، سَرَت إشاعة فيسبوكية، قالت إنّ نيزكاً سيصطدم بالأرض، فيبيد دولاً عدّة، ومنها سوريا. استقبل السوريّون الشائعة بمزاجٍ من الفكاهة، وصاروا يستخدمون “نظريّة النيزك” للتنمّر على واقعهم الأسود، فتراهم يتحدّثون عن ظاهرة مجتمعية سلبيّة، ثمّ يقولون “وينو النيزك؟”، أو يسردون قصة فساد من بطولة الدولة وما فيها، ثمّ يعلقون “النيزك مطوّل؟”… هناك من جعلنا نتمنّى الخراب الأخير كبوابة حتمية للنهوض بالبلاد.

السوريّون سلّموا بالحياة في كنف دولةٍ لا تُسائل لصوصها، ولا تُحاكم فاسديها، ولا تُكاشف سماسرتها

منذ تشكّل وعيي، وأنا أسمع قياديين في سوريا يتحدّثون عن “مكافحة الفساد” وعن “الشفافية” وعن “ضرورة كسر الحواجز بين الحكومة والمواطن”، ثمّ لا أرى طحيناً.

أتذكّر جيّداً الانتقال المهول الّذي حققته سوريا ما بين عامي 2000 و 20003. بدا الأمر وكأنّنا كنّا محبوسين في صندوق، نظنّ السماء سقفه، ثمّ فُتح غطاؤه فتنفّسنا. قفزاتٌ واسعةٌ نحو العصرنة. انفتاحٌ على العالم الخارجيّ. توجّه محسوسٌ نحو المدنيّة. هذا كلّه جعلنا نشعر أنّ هناكَ ضوءاً في آخر النفق، لكنّ الأمل خاب وخبى مجدداً…

سقطت بغداد، ودخل السوريّون في مرحلة تعبوية طويلة، فالأميركيّ كان يلوّح لنا من الشرق، وكانت الحرب تبتسم لنا. وعام 2006، عايشنا عدوان تمّوز على لبنان، وشهدنا على حصار غزّة سنة 2008، وصولاً إلى “الربيع العربيّ”.

البعض يُمرّر هذه العناوين العريضة لتبرير انشغال الدولة السورية عن الدّاخل الّذي احتقن ونال منه الفساد حتّى انفجر، وأعلنَ بداية الكارثة الّتي ما زلنا نعيش تبعاتها حتّى يومنا هذا. لكنّ الواقع في سوريا، اليوم، ما عادت تستره شمّاعات وما عادت غرابيل الشعارات تغطّي بشاعته.

“سوريا بلد اليأس”. عبارة لطالما ختم بها أحد زملائنا، وهو من سوريي الداخل، منشوراته ذات الطابع النقدي.

بدايةً كنت ألومه، لكنّني اليومَ أشعر أنّ تسميته تفتقد للكناية أو الالتفاف اللغوي، فهي تسمية واقعية صرفة. طبعاً سوريا بلد اليأس، ولا إشارات تحيل إلى غير ذلك.

حكومات كسيحة. منظومة سياسية تتجاهل حذف المادة الثامنة من الدستور وتعيد تعويم حزب “البعث” كحاكم أوحد للبلاد. إعلامُ سلطة يخاطبنا بمحتوىً ملّته جداتنا، ثمّ ينافس نفسه بعد أن يُقصي كل محاولةٍ لصناعةِ إعلامٍ خاص لا يخضع، مباشرةً، ودون مواربة، للـ”كتالوغ” الحزبيّ المجيد. شباب البلد يهاجرون، والفتوّة السورية “تهجّ” دون أن يكترث أحدٌ بالفاجعة أو يحرّك ساكناً لاحتوائها.

تسمع أحدهم يقول “معقول تمان سنين حرب وفساد، وولا مسؤول تحاكم؟”. ببساطة، لا نيّة لمحاكمة أحد. وتسمع آخر يقول “معقول نفس طقم المسؤولين كل مرة؟ بشيلو فلان من هون بحطوه هنيك، مع أنّو أثبت فشلو وعجزو سابقاً؟ معقول ما في دمّ جديد بالبلد حتّى نضلّ محكومين بالعقول القديمة نفسها؟”. الواضح أن لا نيّة لدى الدولة لصناعة أيّ تغيير من أيّ صنف، فالشعب بدأ يتصالح مع الفساد على أنّه جزءٌ من الكتالوغ، والسوريّون سلّموا بالحياة في كنف دولةٍ لا تُسائل لصوصها، ولا تُحاكم فاسديها، ولا تُكاشف سماسرتها.

أنظر اليوم إلى مجمّع “يلبغا” الّذي يقف كالخازوق الإسمنتي وسط دمشق، منذ عام 1973، وأفكّر في أنّ 46 عاماً انقضت ولمّا يكتمل بناؤه بعد، ثمّ أبتسم، فـ”يلبغا” هذا يختصر شكل حياة السوريين في “بلد اليأس” منذ 1963 حتى يومنا هذا.

قبل أيّام، استرسل سائق أجرة لبناني في الحديث عن مصائب لبنان. للحظة، شعرت وكأنّه يتحدّث عن سوريا، فبلاوينا مشتركة بدرجة ما.

قال لي “بتعرف هيدي البلد شو بدها لتصير خلق وعالم؟”.

قلت له “النّيزك”.

المزيد من هذا المؤلف

Related Articles