كانت جدّتي الأمّيّة سليلة شهرزاد بامتياز. سردت الحكايات الشعبيّة الآسرة على مسامعنا، نحن الأحفاد والأسباط، على مدى عقدين أو أكثر. ثم حدثَ أن اخترعت حكاية.

لجدّتي ابن، هو أصغر أولادها، اعتقل في سجن المزّة العسكريّ بدمشق، لمدّة عام، بتهمة انتسابه للشيوعيّة. حينذاك، كان عام 1963 يُعِدُّ للبلاد تاريخاً آخر.
حين كبرت قليلاً، اعتقدتُ أنّ جلّ ما كان يهمّ جدّتي، في ذلك العام، هو عودة صغيرها الشابّ. وسوف تحدّثني جدّتي أنّ عمّي أصبح، بعد عودته، مثل هلال وبدر، يتغيّب ثمّ يعود، متكتّماً على مشاغله.

حينذاك، لم يكن والديّ قد أتيا بي بعد إلى هذا العالم البائس. حين وُلدت، جاءت معي أذنان لفتتا انتباه جدّتي وأحبتهما أيّما حبّ، ثم حدث أن عميت عينا الجدّة. وتحوّلت الحكاية لديها إلى سلاح تستخدمه للفتك بعتمتها.

ذات ليلة، أخبرتنا أنّها ستحكي حكاية ما حُكيت لأحد قبلنا. حكاية ألّفتها مخيّلتها الخضراء. وكان بطلا الحكاية، عمّي الشاب، وأنا بسنواتي الضئيلة.

بدأ السرد: على الفور، جعلتني جدّتي وحيدة، في غابة السنديان والأحراش الكثيفة، في قريتنا. ليّلَت الدنيا، وتاه أهلي عنّي. خطفني الغجري!(كان الغجر يخيّمون قرب ضيعتنا، وكانت لهم علاقات طيّبة وتجاريّة مع المحيط. ولم يحدث أن صدرت عنهم أذيّةٌ قبلاً).
خلال يومين من المسير، وبقدرة الحكاية، وصل الغجري بي إلى المزّة في الشام! وهناك، التقى بأحد الغجر المخيّمين في فلسطين، وباعني له، وبعد ثوان، صرنا في القدس، والغجريّ يمشى بي في شوارعها. وما إن حلّ المغيب، حتّى انبثق عمّي المناضل (من تحت أرض الحكاية) بلباسه العسكري، يتبختر بمشيته، حاملاً بندقيّته، يجوب شوارع القدس، إلى أن التقانا، الغجريّ وأنا.
تقول جدّتي إنّ عمّي كان عائداً من المعركة، بعدما انتصر ورفاقه من السوريّين والفلسطينيّين على الصهاينة الغزاة، مثلما فعل قبلهم البطلان عز الدين القسّام من جبلة، وجول جمّال من اللاذقيّة، اللذان استشهدا على أرض فلسطين (لحكاية جدّتي وحدها الحقّ في هذا الخلط!).
رأيت عمّي ورآني. صُعق. صرخت أستنجد به. ومثل البرق، ركض باتجاهي، مصوّباً بندقيّته نحو الغجري، ليفلت الأخير يدي ويولّي هارباً. وهكذا، بعد أن تلبّسني الخوف، علَت ضحكاتي، لعودتي وعمّي البطل سالمين!

بعد مضيّ سنوات على هزيمة حزيران 1967، هزيمتنا الكبرى والمتناسلة مثل نبات متوحّش ضخم يمتدّ، يشقّ الأرض، يقتلع النباتات والأشجار، يدمّر الإسفلت والإسمنت والحديد والبشر، سوف يعلن عمّي قراره الانتقال إلى المدينة البعيدة، حيث كان يغيب، كي يتوظّف ويستقرّ فيها.

جدّتي وحدها، كانت تعرف السر. فأنكرت تلك الحقيقة المرّة. وحدها الحكاية، كانت سبيلها إلى تحقيق المشتهى. كانت تريد ابناً مناضلاً بطلاً!

مع اشتداد عودي ووعيي، كنت أزداد تعلّقاً به وأسرّ لنفسي أنّه كان يغيب لأجل مهمّة سرّية للغاية: يتسلّل عبر الحدود، لينضم إلى رجال المقاومة الفلسطينيّة. عمّي المتمرّد الثوريّ، عاشق الكتب، ورفيق قراءاتي الأولى وأسئلتي الصغيرة، نادراً ما كان يتحدّث في قضيّة فلسطين أمامنا، ما أكّد لي خطورة مهمّته وسريّتها!

ومرّت السنوات، إلى أن انكشف السرّ. لقد استبدل عمّي شيوعيته بدين آخر. ففي السجن، هداه الله، والتقى بمن يقوده إلى الفرقة الناجية. كان عمّي الشيوعيّ، يبحث عن الله!

جدّتي وحدها، كانت تعرف السر. فأنكرت تلك الحقيقة المرّة. وحدها الحكاية، كانت سبيلها إلى تحقيق المشتهى. كانت تريد ابناً مناضلاً بطلاً!

تراكمت الخيبات وكبرت مثل كرة الثلج، بهزائم قاتلة، تدحرجت من فلسطين إلى لبنان والعراق واليمن وليبيا… ثم تضخمت وتورّمت في حربنا السوريّة المديدة.

اختار عمّي طريقاً آخر. لكنّه لم يحدث مرّة أن ذكر فلسطين خالية منصفتها الحقيقيّة: المحتلّة. كما أنّه لم يسع قطّ إلى ربط مسار العائلة أو البلاد بمساره. لم يجعل من نفسه ناطقاً رسميّاً أو متخفّياً باسمنا.

أمّا العمى الذي ابتليت به جدّتي البصيرة فلا يشبه مطلقاً ما يصيب بعضهم اليوم من عمى يجعل الموقف من الاحتلال الصهيونيّ وجهة نظر.

اليوم، أسرد حكاياتي من دون أوهام أو إنكار لحضيضنا المخزي وعجزنا الأليم. أسردها، وسط مقبرتنا الجماعيّة. وكثيراً مايتوقّف السرد لانقطاع الكهرباء وفراغ شحن الكمبيوتر أو لتفقّدي عودة المياه أو لانشغالي بشراء أسطوانة غاز أو عبوة مازوت أو للتفكير بكيفية تدبّر شؤوني بعد نفاد الراتب الوظيفيّ، في اليوم العاشر من الشهر.

تلك هي يوميّات حكاياتي، بانتظار عودة المختفين في مجاهلهم، والمغيّبين قسراً في غياهب العتمة المستبدّة. لكن حكاياتي ترفض الظلم أينما كان، وتدرك أنّ لا سلام مع عدوّ محتلّ تتلطّخ يداه، كل يومٍ، بدماء شعب يريد أن يستردّ أرضه.. زيتونه وبرتقاله والديار.