هناك تواريخ أحفظها جيّداً.
9/9/2014 .. نُشر مقاليَ الأوّل في “السفير” اللبنانية، وكان بعنوان “الأغنية السورية مسلّحة بالكيماوي”. يومها، حاولت أن أحصل على نسخة ورقية من الجريدة التي كانت، حالها حالُ غالبية الصّحف والمطبوعات غير الحكومية، ممنوعة من التداول في سوريا.
لم أستطِع شراء عددٍ أضمّه إلى أرشيفيَ الصغير. لم أستطع أن أوثّق، ورقيّاً، نقطة العلّام تِلك.
كنتُ أفتح موقع الجريدة كلّ نصف ساعة، وأتأمّل اسمي، تحت شعار النّسر الأصفر، بمزيجٍ من النشوة والدهشة.
“أنا في السفير التي شكّلت أوّل وعيي على الصحافة الحلم”.استيعاب اللحظة لم يكن سهلاً لشابٍّ لم يتجاوز عامه الرّابعَ والعشرين.
هناك تواريخُ أحفظها جيداً.
10/3/2016 .. تفاقمت أزمة حقوق العاملين في الجريدة، وقِيل لنا، نحن المُشتغلون في “السفير”، إنّ قراراً بإغلاق مكاتب الجريدة قد اتُّخِذ وإن تنفيذه بات مسألة وقت.
تفاوتت ردود أفعال الزملاء في “السّفير”، لكنّ الجميع كانوا واثقين بأنّ الجريدة أكبر من خلاف، وأنّ الأمور آيلةٌ إلى انفراجٍ قريب، وهذا ما كان.
عاودنا العمل بنشاطٍ زائد.
هناك تواريخ أحفظها جيداً.
21/12/2016 .. كنت في الطّابق الثاني للجريدة، أتحدّث مع الزميلة جوزيت أبي تامر عن يوميات الحرب في سوريا، حينَ استوقفني فيديو على “فيسبوك” كتب فوقه “أبٌ يرسل طفلتيه لتنفذا تفجيرًا انتحاريًا في قسم شرطة الميدان”.
لم تكن الحرب السورية قد باحت بكلّ أسرارها بعد، وكنّا نفيق، كل يومٍ، على فاجعة جديدة، لكنّ الخبر، سابق الذّكر، كان وسيظلّ، الأكثر قسوة في أرشيف قتال السنوات الثماني الماضية، على الأقلّ بالنسبة لي.
طُلب منّي أن أكتب مقالاً يخصّ الواقعة، فوجدتني أنهي مادة بعنوان “عن فاطمة التي فجّروها… عن الورد الذي فجّروه”. وأنا أبكي وقد نال منّي حزنٌ ظننت، حينها، أنّه سيكون “خاتمة الأحزان” لعام 2016.
لكنّني فوجئت، بعد أيّامٍ قليلة، بما هو أكثر قسوة…
هناك تواريخ أحفظها جيداً.

كانت ردود أفعال المتعاونين مع “السفير” متشابهة، فالجميع راح يبحث عن “صناعة البديل”،
وضمن هذا السِّياق، وُلد مشروع “أوان”

31/12/2016 .. أقفلت جريدة “السفير” مطابعها. وأطفأ الناشر ضوء مكتبه في الطابق السادس، وأعلن نهاية مسيرة بدأت سنة 1974.
خسرت الصحافة العربية واحداً من صروحها. “السفير” التي انتسب إليها وكتب لها خيرة أعلام الإعلام والفكر والأدب، انسحبت من المشهد.
كانت ردود أفعال المُشتغلين في الجريدة متشابهة بدرجة ما، فالجميع راح يبحث عن “صناعة البديل”.
ضمن هذا السِّياق، وُلد مشروع “أوان”.
في لقاءاتها الأولى، وضعت مجموعة من الراغبين بإطلاق هذا المشروغ خريطة طريق أولية لمنصة إعلامية يُراد لها أن تكون عصرية بما يكفي لمجاراة المنصّات الأكثر رواجًا في الفضاء الرقمي.

حاله حال عموم المشاريع الإعلامية الناشئة، واجه “أوان” صعوبات وعقبات عدّة على مستوى التمويل وجذب الداعمين، لكنّه اليوم يطلّ إلى الضوء بمن حضر ومن أحبّ ومن آمن بضرورة وجودِ إعلامٍ مستقلٍ.
في “أوان” مدوّنة ستتسع للكتابة عن البلاد والحبّ والناس والثقافة.
هناك تواريخٌ سأحفظها جيدًا.
11/3/2018.
نُشر نصّي الأوّل في “أوان”.

 
×