“البطاريّة ضعيفة”

آخر كلمتَين أرغب في رؤيتهما الآن. كنتُ متأخراً مدّة ست دقائق عن موعد اختبار الأداء المخصص لمشهد “خلف الشجيرات” ضمن العمل الموسيقي “The Lion King”، الذي تنتجه وتنظّمه مدرسة ابنتي الابتدائية، كي يُعرض في حفل نهاية العام الدراسي. سيعتمد العمل بالكامل على الطلّاب وذويهم فقط، ممن يملكون مواهب ومهارات في التمثيل والسينوغرافيا والإخراج والإضاءة والصوت وغير ذلك. لقد عملتُ بجدّ من أجل الحصول على هذا الدور. شاهدتُ الفيلم مراراً وتكراراً بهدف الوصول إلى محاكاةٍ ناجحةٍ لصوت Mufasa ودوره القيادي. كانت مصداقية المشهد تعتمد على جعل Mufasa يتحدث إلى Simba من وراء شجيراتٍ قصيرة، بدلاً من النظر نحو الأسفل من خلال الغيوم. وكان هذا بالضبط ما سيشكّل تحدياً مسرحياً حقيقياً. كنتُ على استعداد لذلك. ولم أكن لأسمح لعطلٍ في باص بأن يقف في طريقي إلى الدور. ركضتُ بسرعة على الرصيف. وكنتُ آمل أن يكون هاتفي ما زال محتفظاً برمقٍ أخير يكفي للاتصال بالمدرسة حتى أخبرهم بأني في طريقي إليهم. ربما لم يفُتني كل شيء. الأشياء المنتظرة غالباً ما تتأخر، أليس كذلك؟ قرّبتُ الهاتف من أذني، وسمعته يرنّ مرة، مرتين، ثلاث مرات…

لم أكن أنا من كتب مطلع القصة هذا، بل كان زوجي وزملاؤه. لا، ليسوا في ورشة كتابة، ولا هم كتّابٌ أصلاً. يعمل زوجي في وكالة فيدرالية تابعة لوزارة النقل، مسؤولة عن حوادث التلوث النفطي البحري الناجمة عن السفن. لا عليكم، المهم أن تعرفوا أن كتابة القصص الأدبية لا تمتّ بصلةٍ إلى مجال عمل زوجي. لكن قسم الموارد البشرية في وكالتهم نَشِط وخلّاق جداً، يقترح على الموظفين كل أسبوعٍ نشاطاً مختلفاً خارج نطاق مهماتهم من شأنه أن يفتح قنوات للصداقة بين العاملين، ويعزز معرفتهم ببعضهم بطريقة رشيقة، ويخفف من جلافة جوّ العمل وجدّيته. مثلاً، أذكر مرّة أنهم عقدوا مسابقة لصور الطفولة. وهي صورٌ سبق وأن جمعها منهم القسم المختص، ثم عَرَضَها خلال المسابقة بلا أسماء طبعاً، والموظف الفائز هو من ينجح في نَسْب أكبر عدد ممكن من الصور إلى أصحابها. كما قاموا مرّة بتبادل وصفات الطعام، ثم انتخبوا للفوز صاحب الوصفة الأشهى والأسهل والأكثر إقبالاً. وفي مرّةٍ أخرى، تبادلوا قوائم الأغاني المفضلة، ثم شكّلوا منها قائمةً مشتركةً يُصار إلى تشغيلها في حفلات أعياد الميلاد الشهرية. أما النشاط المقترح لهذا الأسبوع فهو كتابة قصة قصيرة! سيكون على كل موظف المساهمة بجملةٍ أو مقطعٍ من تأليفه. يكتبها أينما شاء، في المقدمة أو المتن أو الخاتمة، وبالطريقة التي تحلو لخياله ومزاجه، على أن يُكمِلَ جملَ زملائه من دون أن يعدّلها أو يحذفها.

سيحيكون قصّتهم على مدار أسبوعٍ كامل، ثم سيفتتحون بقراءتها اجتماعَ يوم الاثنين، ليَروا ما أنتجته كلماتهم المشتركة من طرافةٍ أو سخافةٍ أو غرابة. فيقتسمون الضحك والتسلية والتعليقات، تماماً كما يتقاسمون مسؤوليات العمل.

إنه مساء الأحد. والقصة، كما عرضتُها لكم، ما زالت مبتورة وناقصة وبلا خاتمة. أنظرُ إلى زوجي برجاءٍ وعتب، وأطلبُ منه أن يحاول إنهاء القصة قبل صباح الغد. يبتسم ويردّ بأنه اكتفى بكتابة جملتَين وأنه ليس مضطراً إلى إنهائها، ربما يرغبُ في ذلك موظف آخر. فأقول إن الوقت أصبح ضيقاً، ولا يمكننا التعويل على رغبات الآخرين ونواياهم التي قد لا تتحقق. يستغرب اهتمامي الشديد بالأمر وإلحاحي على إنهاء القصة كما لو أننا سنتقدم بها إلى مسابقة أدبية رسمية! ويذكّرني بأنها هنا مجرد لعبة، يتسلى بها بضعة موظفين على هامش أعمالهم الحقيقية، وليست عملاً بحدّ ذاته كما أُصِرُّ على اعتبار كلّ قصة!

– ومَن قال إني أعتبر القصة عملاً!؟ أقول له. القصة كائنٌ حيّ، مخلوقٌ له لحظة ولادة ورحلة حياة. ومتى تورّطنا بإنجابه لا يحق لنا تركه غير مكتمل النمو. سنعيقُ مسيرتَه ونصعّبُ عليه العيش.

– هذه مبالغة ورومانسية زائدة. كلّ ما في الأمر أننا كتبنا مقدمة، مقدمة فقط!

– المقدمة ليست نزوة بلا عواقب. ثم دعكَ من رومانسيتي ومبالغاتي. القصص غير المكتملة تجلبُ النحسَ والحظّ السيء وتتحولُ إلى لعنة. القصص المتروكة تتداخل مع بعضها بأشدّ الطرق شراسةً وفظاعة. تتبادل الأحداث والشخصيات والتفاصيل. وقد ينتهي بها الحال إلى نصوصٍ مؤذيةٍ لا ينجو منها أحد. وقد تنتقم الشخصيات القصصية من بعضها أو من مثيلاتها الأصلية إذا ما تُرِكَتْ للفراغ والصمت بلا مصائر. نقطة النهاية ستمنع هروب أبطال الحكاية من الورق. حتى وإن كانت النهايات حزينة أو غامضة أو مباغتة، فهي كافية لتحبس القصة داخل نفسها، وتمنعها من التقاطع الفاجع مع قصصٍ أخرى أو من الانتحار. نعم، القصص تنتحر أيضاً! ألا تذكر كيف آلت كلّ قصصي التي لم أُكمِلْها إلى مآسٍ؟! ألا تذكر قصة أبي نزار بائع النحاسيات التي تركتها بلا نهاية لأكثر من خمسة أشهر؟ كان مصاباً بتشمّع الكبد. وبعدها، علمتُ بوفاة أبي منذر، النسخة الواقعية للشخصية التي استوحيتُ منها مطلع قصتي، بالمرض نفسه! ألا تذكر كيف أُصيبتْ فدوى، من قصة “فتاة المشفى”، بشظيّة أفقدتها عينَيها بعد أن تركتُها وحيدة وضائعة في نصّ بلا خاتمة!؟ كانت الشظية ناجمةً عن انفجارٍ في نصّ آخر غير مكتمل، يتحدث عن غرفةٍ زرقاء في بلدةٍ تتعرض للقصف. هل تريدون لهذا الأب، بطل قصتكم، أن يخرج من السطور ويثأر من ذاته أو من ابنته في قصة أخرى؟ هل تريدون أن يجلب لنفسه أو لكم مصيراً تراجيدياً بعد أن تخليتم عنه وتجاهلتم حماسه والتزامه واندفاعه الصادق!؟

يعبسُ زوجي أكثر، ويصلني استياؤه من خيالاتي وشطحاتي. أخرجُ إلى الشرفة، وأشعلُ سيجارة وأنظرُ إلى القمر الناقص، هلال يفصله عن الاكتمال بضعة استداراتٍ وخطوط. غداً، يوم الاثنين. غداً في الثامنة والنصف صباحاً، في الدقائق الأولى من الاجتماع، سيقرأ أحدٌ ما قصّةً منقوصة. قصّة لم أستطع إنقاذَها وجلبَها كاملة إلى هذا العالم اللعين الذي لا يرأف بالقصص ولا يفهم طبيعتها السحريّة الخاصة!

القصص غير المكتملة تتحولُ إلى لعنة. تتداخل مع بعضها بأشدّ الطرق شراسةً وفظاعة. تتبادل الأحداث والشخصيات والتفاصيل. وقد ينتهي بها الحال إلى نصوصٍ مؤذيةٍ لا ينجو منها أحد.

أسمعُ صوتَ زوجي يناديني. أدخلُ فأراهُ مبتسماً بتفهّمٍ وحنوّ، كعادته بعد مناوشاتنا:

– حبيبتي، معك حق. علينا أن ننهي القصة. ما رأيك بأن نكتب لها الآن خاتمةً تلائمها وتُنصِف بطلها؟ فكّرتُ بجعله يصل إلى مقرّ الاختبار، يعتذر عن التأخير ويُقبَل اعتذاره، ينجحُ في تجارب الأداء ويتدرّب بجدّ على الدور، ثم يُقام الحفل على أفضل وجه وينال بطلنا في النهاية تصفيقاً عالياً مع منحه جائزة الأب المثالي.

– حلٌّ تقليدي جدّاً، يجرّدُ القصةَ من فرادتها وأحقّيتها في أن تُروى.

– طيّب، لِنقلْ إنه بعد قبول اعتذاره وحصوله على الدور وأدائه اللامع في الحفل، يلفتُ نظرَ أحد الحاضرين، وهو مخرج ناجح ومعروف، فيعرض عليه بطولة فيلم كبير. فيترك الأب عمله ويتحول إلى ممثل سينمائي ومسرحي شهير، وتنقلب حياته مع عائلته إثر حفل مدرسي لابنته الصغيرة.

– لا، نهايةٌ لا صدق فيها وإن بَدَتْ طموحةً ومُشتهاة. لا أحبُّ النهايات المُدَّعية وإن كان التحوّل الذي تطرحه كبيراً. ثم إن الخيال فيها مفتعل، ولا شيء يربطها بزماننا وواقعنا.

– حسناً، لنكتب إذن إنه في اتصاله للاعتذار عن التأخير يخبره أحد المسؤولين أن تجارب الأداء توقفتْ حالياً. وأن الحفل برمّته تأجل إلى موعد غير مسمى بسبب جائحة كوڤيد-19 التي تعم العالــ…

– لا لا أرجوك. لم أقصد هذا النوع من الرّبط بالواقع. ثم يكفينا ما أحدثه هذا المرض الرهيب من تحولاتٍ مَهولة في يومياتنا وأحاديثنا وطريقة حياتنا. فلنحمِ قصصنا منه ولو إلى حين. وإن كان لا مفرّ من غزوه الوشيك لأدبنا، فلنؤجّله ما استطعنا.

يصمتُ زوجي، فأدركُ أنه استنفد لإرضائي كل محاولاته. أعذرهُ، ليس هناك ما هو أكثر إرباكاً من محاولات استئناف قصةٍ عالقة! أطلبُ منه أن يعطيني اللابتوب خاصته وأن يذهب إلى النوم. أفتحُ الملفّ المشترك حيث كتب الموظفون مساهماتهم وشرعوا في قصّتهم. لا شيء تغيّر، القصة على حالها كما قرأها لي زوجي مساء اليوم. اثنا عشر سطراً بلا خاتمة. أقرؤها مرات عدة ثم أكتب:

…”قرّبتُ الهاتف من أذني، وسمعته يرنّ مرة، مرتين، ثلاث مرات…

– ألو، نعم.

– صباح الخير، أنا والد ناديا من الصف الرابع.

– أهلاً بك، تفضل.

– في الحقيقة أنا ما زلتُ في الطريق إليكم، أحتاج فقط إلى سبع دقائق إضافية. لقد تعطل الباص واضطررتُ إلى الإكمال سيراً. لن أتأخر، أرجوكم أن تنتظروني. لقد أعددتُ نفسي جيداً لهذا الدور ولا أريد أن تفوتني الفرصة. أنا مستعدٌّ تماماً لتأدية المشهد وسيكــ…

– أيّ مشهدٍ يا سيّدي؟ وأيّ دور؟

– آه، عفواً، ربما كان عليّ أن أوضح. يوم الأربعاء الماضي، أرسلتم مع ابنتي رسالة إلى أولياء الأمور الذين يرغبون في المشاركة في فعاليات حفلة نهاية العام. وقد وجدتُ أن دور Mufasa في مسرحية The Lion King هو أكثر ما أرغب في تقديمه من ضمن كل العروض الغنائية والمسرحية المقترحة. لذا، قررتُ أن أخوض اختبار الأداء الذي تجرونه اليوم بحسب الجدول المدرج في رسالتكم.

– نعم، لقد أرسلنا فعلاً رسائل مستعجلة يوم الأربعاء، لكنّها من أجل إعلامكم باضطرارنا إلى مضاعفة أقساط العام القادم نظراً إلى الظروف الاقتصادية الاستثنائية والأزمات التي تمرّ بها البلاد.

– ماذا؟ أنا لا أفهم شيئاً! أيّ ظروف؟ وأيّة أزمات؟

– سيدي، عذراً، يبدو أنك كنتَ مسافراً، أو أنك، لسببٍ ما، لستَ على دراية كافية بما يحدث. بلادنا في حالة حربٍ منذ سنوات، ومؤخراً، فُرِضَ علينا حصار دوليّ جديد زاد من سوء الأحوال الاقتصادية. عملتنا في انحدارٍ سريع، ورواتب الأساتذة والإداريين صارت أضحوكةً بالنسبة إلى انفجار الأسعار. كما زادت مصاريف مدرستنا وتكاليف تسيير العمل فيها. لذا، لجأنا آسفين إلى زيادة الرسوم المدرسية وأرسلنا نخطركم بذلك. كما سيتعيّنُ على الطلاب وأهاليهم المساهمة في تزويد المدرسة بحاجتها من المازوت لتدفئة الصفوف. كما تعلم، تأمين المحروقات لم يعد هيّناً، ومعظم الشكاوى في العام الماضي كانت بسبب اضطرار التلاميذ إلى ارتداء معاطفهم أثناء الــ…

– يا إلهي! عمّ تتحدث؟ أشعرُ أنني نزلتُ من الباص المعطّل إلى كوكبٍ آخر! أو إلى مدار زمنيّ آخر! أرجوك، أجبني: هل نحن في عام 2020؟

– نعم سيدي، نحن في عام 2020. وأنا وأنت وكل الأحياء من المحظوظين الذين نجوا حتى الآن من الكورونا، وحش هذا العام.

– نعم، كورونا، هذا أعرفه جيداً. لكني لا أعرف عن أي ظروفٍ جنونية وعن أي بلادٍ تتحدث!

– أخشى أنك أخطأتَ في الرقم. بمن اتصلت؟

– اتصلتُ بمدرسة ابنتي ناديا، ناديا من الصف الرابع في مدرسة Les enfants du monde في مدينة مونريال.

– صحيح، نادية في الصف الرابع، لكننا هنا في مدرسة أجيال النور، في ريف دمشق يا سيّدي، نحن هنا، في سوريا.

المزيد من هذا المؤلف

في الطّريق إلى وجهي

المنفيّ

أجراس تقرع في أذني

 
×