“سافرْ

حتى يتصاعد الدخان من البوصلة[i]“.

تروح وتجيء هذه الجملة في بالي، بينما أهدهد لصغيرتي وأمسح على شعرها الناعم.

كتبت كثيرًا عن “ألمى” حين كانت في داخلي، وبعد وصولها أيضًا. علّمتني الكتابة أن ثمة نصوصًا غير قابلة للنشر، نصوصًا تُكتَب كي تغلق عليها العين ومن ثمّ القلب، نصوصًا أشبه بما ينزّ من الرّوح حين تعصَر. وضعت لتلك النّصوص عنوانًا: إلى ألمى التي تحبّ محمد فوزي وشوبّان.

فوتّت تذكرة عودتي إلى سوريا وحظيت بطفلة. تعجبني هذه الجملة. هي نسختي الخاصة من قصّة الطائر الذي يحمل رضيعًا بمنقاره، ويضعه في حضن أمّه.

أيتها النساء مزّقن تذاكر السّفر كي تنتفخ البطون، فوّتن طائرات العودة إلى المنزل كي تنجبن أطفالًا يحبّون محمد فوزي وشوبان، وحين يكبرون يهيمون بريمي بندلي وعدويّة. هكذا نحن نبدأ حياتنا بكذبة وصولنا، ونداول هذه الكذبة من جيلٍ إلى آخر، لكن يا طفلتي من أجلكِ كسرتُ السلسلة، من أجلكِ صارت قصّة وصولك، الكذبة الأصدق على الإطلاق. تقول صديقتي إن جدّتها كانت تردّد مثلًا شعبيًّا بلهجتها القروية: “ما بيربى جسد تَيفنى جسد”، أحاول أن أوائم بين مثل الجدّة وجملة سركون بولص، فأقول: “لا تبدأ رحلة جسد حتّى يتصاعد البخار من بوصلة جسدٍ آخر”.

في نبوءة قديمة لبليغ حمدي يقول “كلّنا مسافرين”، الأغنية التي يغنيها ثلاثة ممّن أحبهم: عدويّة وجورج وسوف وبليغ. المشكلة الوحيدة في نسخة الوسوف أنه يختمها بالقول “كلّنا راجعين”، وهذا التأكيد وحده يلوّي القلب.

في الحيّ الذي كبرتُ فيه كان صوت جورج وسوف هو الخلفية الموسيقية لكلّ ما يحصل: علاقات بدأت، علاقات انتهت، أصدقاء يضحكون، سيدات يخرجن من الكنائس بأوشحة من الدانتيل الأبيض على الرؤوس، رجال يرمون حجارة النرد، طلاب مدارس يتراكضون، نمائم خلف النوافذ، مياهٌ ترشّ أمام أبواب المحال.. حياةٌ كاملة كانت تدور بينما تلعب أغنياته حولها. لم يخطر لواحدنا وقتها أن يسأل: لماذا كانت تلك الإضافة؟ ولم يخطر لواحدنا بعد حين أن يسأل عن مصير أغنية أودت بحياةٍ كاملة، هي حياته.

أفكر بآخر جملةٍ كان يخاطب فيها ابنه: “لحسن حظّك أنت، لقد توقفنا عن الخوف منذ سنوات عديدة”

الأحاديث الكثيرة التي كنت أتبادلها معكِ، حين كنتِ تدورين في داخلي وتُكسبينني الأفضلية في الطوابير ومقاعد الباص، لم أذكر لكِ فيها شيئًا عن ذلك الحيّ، عن تلك البلاد، فتلك البلاد حزينة، وأنا أريدك فتاةً سعيدة. سألني صحافي قبل أيام عن شعوري بأنّ طفلتي أليكانتيّة (من أليكانتي في إسبانيا) بحسب تعبيره، لم يخطر لي يومًا أن أفكّر بانتمائكِ إلى أي مكان، بما في ذلك حضني، أنتِ في الإسبانيّة الروح، وفي العربية شجرةٌ كثيفة الظلال، وفي التركية تفاحة. لكأني أردتُ ابنةً في كل اللغات، ابنةً يحملها اسمها أنّى تشاء. ابنةٌ تقول مع ريمي “نحن نحلات الرّبيع والأزهار بيوتنا”.

أحتفظ بتذكرة العودة تلك داخل صندوق ذكرياتك، قرب اسمي الذي علّقته ممرضةٌ مثل خلخالٍ في رجلك المجعدة. سينضمّ إلى المجموعة أول قرطٍ وضعناه في أذنيكِ الشهر الماضي، واللهاية التي رفضتها، وأول سنٍّ ستفقدينها، وربما تذاكر سفر جديدة قادها إلى الصندوق تأخرك في النوم، هذا الذي تعدّينه ألدّ أعدائك اليوم.

“تفعل ما يجيدهُ الأطفال: تناول الطّعام والقتل” جملة علقت في بالي من تقريرٍ عن صغار النسر الأميركي، عُرض قبل سنوات على شاشة “ناشيونال جيوغرافيك”. لذا ترينني أطيلُ النظر في عينيكِ، أريد أن أغبّ منهما ما استطعت قبل أن يصير الزغب ريشًا وتطيري عاليًا.

قبل أيام أهدت “مصر للطيران” تذكرة سفر مدى الحياة لطفلة وُلِدَت في إحدى طائراتها. تذكرة سفري أيضًا كانت من الشركة ذاتها، وزيارتي الوحيدة إلى القاهرة هي ساعات الترانزيت تلك، ومرطبان المكدوس الذي حضرته أمّي ضاع على متن إحدى رحلاتها. وذلك هو اسمي الّذي كان يتردّد في مطار مدريد للالتحاق بالطائرة المتجهة إلى القاهرة، والنبض الذي يهدُر لم يكن لامرأةٍ تتّجه نحو بوابة الإقلاع، بل لامرأةٍ كانت تحمل في داخلها رحلةً مدى الحياة – وتترك مقعدًا فارغًا قرب نافذةٍ صغيرة تطلّ على الغيوم.

بينيلوبي كروز أيضًا أنجَبَت في باص في فترة الديكتاتورية في إسبانيا، وأُهدي طفلها أيضًا تذكرة مدى الحياة، ليقضي كلّ وقته في الباص. كنت أستعيد ذلك الفيلم كثيرًا وأنا أجوب الشوارع نفسها. وأفكر بآخر جملةٍ كان يخاطب فيها ابنه: “لحسن حظّك أنت، لقد توقفنا عن الخوف منذ سنوات عديدة[ii]

هل سأستطيع يومًا ما أن أقول مثل هذه الجملة لألمى؟

 

[i] سركون بولص

[ii] فيلم لحم حيّ / ألمودوبار

المزيد من هذا المؤلف

نجمة على جبيني

ترجمان الخطوات

 
×