14 كانون الأول 2019

كنتُ في غرفة الجلوس. لا أذكر إن كُنت جالسًا أم لا. سمعت صوتًا يناديني بإلحاحٍ من الشارع. يعلو كلّما اقترب المنادي من المبنى حيث أسكن. “ربيع! ربيع!”. تقدّمت نحو النافذة متوتّرًا. هذا صوت أخي الأصغر كريم. مسحتُ محيط المبنى بعينيّ، لكنّي لم ألمح أحدًا في الشارع الفارغ، المخيفِ بسكونِه كما لو كان ميدانًا لتظاهرة أشباح. فجأة سمعت بوابة البناية تُفتح بعنف، وبعدها خطواتٍ تطأ الدرج صعودًا نحو الشقة بسرعة من يسابق خطرًا وشيكًا. راح أخي ينادي مجددًا بصوت يدنو، يقطعه لهاثُ من بدا أنه يركض منذ مدّة. فتحت باب الشقة ورحت أقفز متجاوزًا الدرجات نزولًا حتى ألاقيه. قفزت فوق الدرج مرّة، واثنتين، ثمّ عَلَت فوق الصراخ لعلعة رصاص. زخّة رصاص مع صدىً رهيب، اختفى بعدها الصوت تمامًا. ثمّ استيقظت من الكابوس مذعورًا.

قمت من السرير، استحمّيت بماء ساخن لأزيل عن نفسي توتّر الليل، وهيّأت نفسي للخروج من المنزل. غدًا أسافر لبضعة أسابيع إلى حيث تقيم زوجتي. وفي نهاية هذا اليوم تظاهرةٌ بعد نحو شهرين من اندلاع الانتفاضة، لم أكُن متيقّنًا من قرار المشاركة فيها تحسّبًا لوقوع طارئ يمنعني من المغادرة في صباح اليوم التالي بعدما راحت المواجهات تشتدّ في وسط بيروت. لكنّ كريم، كان قد اتخذ قرار المشاركة.

8 آب 2020:
بقعة دم في الرأس 

مرّت أربعة أيام على الانفجار المهول في مرفأ بيروت، وأكثر من تسعة أشهر على السباق الجاري بين الانتفاضة والانهيار الاقتصادي والمالي. اليوم “سبت الغضب”. ثمّة “نظام” فاسد لعين، كان ولّادًا للأزمات على امتداد سنوات طوال، وصار ولّادًا للكوراث وللانفجارات شبه النووية اليوم. ساعتان أمضيتهما في الوسط التجاري مع الآلاف، تحت قنابل الغاز، ثمّ قرّرت المغادرة. كان في التظاهرة خليط من المشاركين من بيئات مختلفة، لكنّ التجمعات الأكثر تنظيمًا كانت، بخطابها المتوتّر، تعيد إنتاج فوالق تُشبه برمزيّتها تلك التي فصلت بين تجمّعين أهليّين متناحرين في آذار 2005 (8 و14 آذار).

أبلغت أخي كريم أنّي متّجه صوبه قرب مبنى اللعازارية مرورًا بساحة الشهداء. مررت بفتاتين تتبختران في منطقة آمنة، ترتديان نظارتَي “راي بان”، وترفعان لافتتين تدعوان إلى تدخّل خارجي “يحرّر البلاد من الاحتلال الإيراني”، ثمّ عبرت بتجمّعين يضمّ الواحد منهما عشرات الشبان الذين يهتفون ضد “حزب الله” حصرًا، في ما بدا انسياقًا وراء حملة مركّزة تتهمه بالمسؤولية عن الانفجار. بعدها بأمتار راح الخطاب يختلف؛ يساريون وأفرادٌ غاضبون لا تحرّكهم خلفيات سياسية أو نزعات موجّهة، بل رغبة في اقتلاع المتسبّب ببؤسهم، أيًا كان، بأظافرهم. أصبح الجوّ هنا يلائمني بعدما كان نافرًا، لكنّي كنت ميّالًا إلى المغادرة في مطلق الأحوال. القنابل المسيّلة للدموع كانت تتطاير في الجو. برغم ذلك كنت على مسافة آمنة من الاشتباك المباشر مع الأمن، أو هكذا ظننت. وفي اللحظة التي توهّمت فيها أن حسابات الأمان الجسدي لا يُمكن أن تخطئ منطقيًا، شعرت كما لو أن قطارًا اقتلع الناحية اليمنى من رأسي.

ما أذكره بعد ذلك لحظات متقطّعة. أمسكت جبيني كما لو كنت أخشى أن يقع. جرّني شابٌّ إلى سيارة إسعاف. أجريت اتصالًا بأخي بصعوبة. شاشة الهاتف الذكي لم تتعرّف على بصماتي الملطخة بدم يقطر من جبين مفتوح. لم أدرك كمّ الألم الذي شعرت به إلا بعدما أرسل لي شخص مجهول لاحقًا، عبر “فيسبوك”، شريط فيديو صوّره في موقع الحادث. أدركت لاحقًا أن النزيف الحاد نجم عن ارتطام قنبلة مسيّلة للدموع مصوّبة نحو الرأس، أخطأَت عيني بأقل من سنتمترين. لاحقًا، علمت أن سبعة أفراد فقدوا عيونهم في التظاهرة تلك، وأن غيرهم تعرّض لإصابات بالغة في الرأس والجسد، أي أن نيّة الأذيّة كانت أكيدة ومبيّتة.

استعدتُ وعيي أثناء إنزالي من الإسعاف على سرير مُدولب، ثم إثر اصطدام رجلي بباب المصعد في المستشفى. تفحّصتني طبيبة العيون. أذكر أنها جاهدت لفتح عيني اليُمنى لمعاينتها، وأن العدسة لم تستجب للضوء المسلّط عليها، المتحرّك صعودًا ونزولًا، في المرات الثلاثة الأولى. وأذكر كيف كانت الطبيبة تخاطب مساعدتها كلّ مرّة هازّة برأسها: “لا استجابة”.

تجاوبت العين مع الضوء في المرّة الرابعة. أتى جرّاح تجميل ليقطّب الحاجب. كانت حينها جرعات المورفين والمخدّر الموضعي قد فعلت فعلها. رُحت أحادث الجرّاح الأخير فيما هو يفاخر ينتيجة عمله أمام زميله، فشجّعني ذلك لأسأل؛ “ما مدى سوء حالتي؟”

“الجرح عميق”، قال لي. “سيترك ندبة في الحاجب. لكن لا تقلق. ستشبه تلك الموجودة فوق حاجب رامي عياش”.

“جميل”، قلت في نفسي. “سأخرج من هذه الكارثة مطربًا”.

بعدها جاء دور معاينة الرأس. أظهَرت صورةٌ وجودَ نقطة دمٍ جرّاء نزيف داخلي. ودخلنا في دوامة أسئلة واختبارات للتأكد من عدم وجود ضرر:

– ما اسمك؟

– ربيع.

– في أي سنة نحن؟

– 2020، السنة الجميلة.

– هل تعلم أين أنت؟

– في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت…

في هذه الأثناء كانت غيا، زوجتي، قد أتت من خارج بيروت. أخفق شقيقي وشقيقُها في ابتداع كذبة تخفف من قلقها إلى حين وصولها بعدما تمنّيتُ عليهما ذلك. أحدهما قال لها “فكش رجله”، والثاني قال “عوّر راسه”. فشلت الخطة.

كانت متماسكة. نامت في الغرفة، وفي اليوم التالي أخبرتني أني بكيت في المستشفى مرة واحدة، لحظة علمت أن رجل أمن توفي في وقت متأخّر من المساء إثر سقوطه، أو رميه، في مصعد فندق. بعدها أمسَكَت الهاتف، والتقطَتْ صورة لعيني المتورّمة. لم أفهم السبب سوى لاحقًا.

    *     *     *     *

ستمرّ بعد هذا اليوم أيام أشعر فيها بإرهاق شديد، أستلقي خلالها على الكنبة لساعات كنصف ميت. ستنتابني موجات صداع حادّة، أحاول أن أتفهّم أسبابها الطبيّة الوجيهة، كما لو كنت مشاركًا معها في حلقة نقاش. وسأستفيق لليالٍ طوال قبيل الفجر لأشعر بأطراف الأعصاب في ناحية وجهي اليُمنى تلمعُ بحدّة، للحظة أو اثنتين، كما لو أن قطار قنبلة الغاز يرتطم بأطراف حاجبي لأوّل مرّة.

في صباحات الأسبوعين الأوّلين ستفاجئني عيني اليُمنى والتورّم المهول حولها كلّما نظَرَت اليسرى إلى المرآة، لكنّها لن تخذل يد غيا التي واكَبَتها بالدواء قطرة قطرة، ووثّقت إعادة تشكّلها بكاميرا الهاتف صورة تلو أخرى، وستردّ الجميل عبر تحسّن يوميّ ما زال في منتصف الطريق. المشكلة أنّي سأعيش لفترة مع كلّ تحسّن ٍ عُقدة ذنب رهيب؛ سأنكسر كزجاج بيروت أمام مشهد يتحدّث فيه ربّ عائلة عن انطفاء النور في عينه، وأمام صورة رفاق الفتى الياس خوري في المدرسة، يحملون نعشه على أكتفاهم الهزيلة بعد وفاته متأثرًا بجراحه جرّاء الانفجار. كان يُفترض أن أكون الأوّل أو الثاني، وأن يكونا هما بخير. أعلمُ أنّ عقدة الذنب من أعراض ما بعد الصدمة. أُعقلنها، وأدرك ماهيّتها، لكنّي أدعها تكون، ريثما تستكمل تحوّلها إلى مشاعر أخرى، كما لو كانت تلميذًا مشاغبًا يجلس أمامي في صفّ جامعي.

بعد أسبوعين أيضًا ستُفكّ الغرز عن أسفل الجبين، سيهرّ بعض شعر الحاجب الكثيف أصلًا كالأجساد المتساقطة، وسيبقى أثر للجرح كما الوشم الذي يذكّر بأليكساندرا النجار، ابنة الثلاثة أعوام التي أرداها عصف الانفجار في مرفأ بيروت، ولعلي مشيك، عامل المرفأ الذي قتلته حاجته إلى ما يكفي لسدّ رمق العيش، ولعشرات ضحايا هذا الانفجار وهذا النظام الذي ولّده. أما الجرّاح الذي عاين رأسي فسيقول لي: “ثمّة بقعة دمٍ صغيرة في الرأس، بل نقطة. نزيفٌ بسيط رافق الارتجاج. ستتقلّص النقطة حتى تزول، وستتراجع الأعراض تدريجيًا في غضون أسابيع أو أشهر قليلة. لكنّك ستكون بخير”.

عودة إلى 14 كانون الأول 2019

اتخذت قراري. سأشارك في تظاهرة اليوم. قلت ذلك للصديقة أريج في مقهى “ة مربوطة” في الحمرا قبل التظاهرة بساعات، وقبل سفري بأقل من يوم. في هذه الرفيقة من الصلابة ما يجعلك تقول “نعم، أقبل التحدي” دومًا. لكن قبل ذلك، كان الكابوس الناطق في لاوعيي يجرّني إلى المشاركة جرًا.

أخذ المتظاهرون في تلك الليلة يحتشدون في ساحة “رياض الصلح” وسط بيروت. بدأت الاستفزازات والاستفزازات المقابلة، ثمّ اشتعل الموقف في غضون دقائق. أ ُطلق الغاز المسيّل للدموع بغزارة. ثمّ انقضّ عناصر الأمن على المتظاهرين.

تعثّر كريم أثناء الجري وسقط أرضًا. التفتُّ إلى الخلف متباطئًا وفي ذهني ذُعري الصباحي لحظةَ طنَّت في عقلي الباطني لعلعةُ الرصاص. صرختُ باسمه كما صرخ لي في الحلم. خلفه كانت جمهرة من قوات مكافحة الشغب تهرول ملوّحة بالهراوات، ومن بين خطوطها يتسرّب عناصر ببزّات مختلفة اللون والتصميم، أشرس وأقلّ انضباطًا، سبق أن التقطَتْ سلوكَها الكاميراتُ خلال أوقات مختلفة وقيل إنّها عناصر تابعة لحرس مجلس النوّاب. ثمّ، في غضون لحظة، وسط الدخان الكثيف، لمحتُ شبح أخي الأصغر، الأقوى بنية منّي والأسرع، يقوم وينطلق كسهمٍ حتى تمكّن من اللحاق بي.

كنّا في وسط المدينة، ساحة المعركة، نستردّ بيروت التي ولدنا فيها خلال الحرب الأهلية، نستردّها من ذاكرتنا المكلومة. نستردّها من الأيام الكثيرة التي غنّينا فيها في ملجأ بنايتنا الكائنة قرب خطوط التماس أواخر الثمانينيات، مع رغيد ووليد، أخوينا الأوسط والأكبر، يوم كان والداي يراهنان على أن أغاني الصغار، إن عَلَت فوق أزيز الرصاص، ستجعل بقعة الدم في ذاكرتنا تنحسر حين نكبُر.

بعيون ورّمها الغاز المسيّل للدموع، راح كلّ منا يشقّ طريقه بين أبنية الوسط التجاري المتكبّر على أهل المدينة، يركض كعدّاء نحو أفق فسيح ٍ مفتوح ٍ على قدر مختلف. رحنا نركض كما لو أن مدى البلاد مُلكنا، بجانب متظاهرين مجهولين، لكلّ واحد وواحدة منهم قصّة وذاكرة جريحة. كنّا نركض، كما لم نركض قبلًا، من أجل أن تتقلّص بقعة الدّم في رؤوسنا…

 
×