بحر وجبل.

هكذا يجيب ابن صديقتي القادم حديثاً إلى بيروت حينها، عندما سألناه: كيف شفت لبنان؟

تفاجئني إجابته للوهلة الأولى وكأنّه يتحدث عن بلد لا أعرفه جيداً. يدفعني ذلك للبحث عن لبنان هذا في أقبية الذكريات. وأعود تدريجياً بالزمن إلى أن تتضح الرؤية، إلى يوم دخلتُ لبنان، وكيف أنّي في رحلة الباص الطويلة، كنت أراقب للمرة الأولى، البحر والجبل واللافتات الإعلانية الكبيرة التي تستلقي فيها فتيات جميلات فوق طوابير من السيارات. حينها رددت إجابة ابن صديقتي، لبنان بحر وجبل.

في الباص القديم أسندتُ رأسي إلى بلّور الشباك مرهقاً بعد أيام بلا نوم، ورحتُ أُزيل ركام الحصار والقصف من داخلي، وأنبشُ عميقاً إلى أن أصل إلى طفولتي، وأتبيّن أن هذا ليس لقائي الأول مع لبنان، بل سبقهُ لقاءٌ قديمٌ. ذلك حين أطلّ علينا لبنان للمرة الأولى عن طريق التلفاز، يوم تجمعت العائلة الكبيرة كلها، بل تقسّمت إلى فريقين، فريق يقوم بتحريك اللاقط الهوائي (الأنتيل) على السطح، وآخر أمام التلفاز الصغير بانتظار أن تظهر صورة لبنان. “حرّك، يمين، شمال، بس… وووقف”: صرخنا جميعاً بصوتٍ واحد حين ظهرت صورته لأول مرة. كان لبنان هو قناة الـ LBC بالنسبة إلينا لأشهر عدة، قبل أن تنضم إليها بقية القنوات، ومنها قناة (السيكما) التي سمعنا عنها كثيراً ولم ننجح بالتقاطها بعد منتصف الليل، فانضمّت إلى الغول والعنقاء والخلّ الوفي.

لبنان البرامج الترفيهية والأغاني والسخرية من السياسيين؛ لبنان الحرية هذا ما حلمتُ أن أزوره صغيراً. أضيفت لاحقاً بعض التصورات الأخرى تسرّبت إلينا من أحاديث العمال العائدين من هناك، رواتب بالدولار، كنّا نظنها ثروة لمجرد أنهم يخبروننا قيمتها بالدولار.

تنتهي رحلتي في الباص وينتهي معها لبنان الطفولة حين أصل طرابلس حيث كان الطريق مقطوعاً بسبب اشتباكاتٍ بين أطراف لم أكن أعرف بوجودها حينها. وقفت في ساحة المدينة حاملاً حقيبتي والرصاص يتطاير من فوقي، بينما أقف كفزاعة لا تفزع أحداً منتظراً أن يتصالح الذين لا أعرفهم. هنا سألتُ نفسي السؤال الذي سيتكرر كثيراً خلال السنوات التالية، لم خرجتُ؟ خوفاً من الموت؟ من الاعتقال؟ حباً بالحياة؟ سرعان ما تكشّف لي أنّها أسباب واهية.

أيامي الأولى في طرابلس ألتقي فيها بائع العصير الذي كان يخبئ البرتقال في لحيته الطويلة وكلّما رآني هزّ لحيته لتسقط إحداها في ماكينة العصر، ليقدمَ لي كوباً بارداً من العصير مصحوباً بابتسامةٍ تذكرني بتلك اللافتة، التي كتب عليها ” حمص ترحب بكم”. بائع العصير كان يناديني “عكيد باب الدريب”. وكنت أشعر بها كتعزية لخيبتي وانهزامي.

لكن الحياة سرعان ما تعاود كشف وجهها الحقيقي، ولا يعودُ وجه بائع العصير والوجوه الطيبة الأخرى سوى أقنعةً، وبدورها تتحول تلك الأقنعة بمرور الزمن إلى ما يشبه الهلاوس في الذاكرة ولا تثق بحقيقة وجودها وحدوثها.

بعدها ستنطلق رحلة دفع الشبهة التي بدأت بسلوكٍ لم أكن أتوقع أن أقومَ به يوماً: أن أهدي صاحبة الغرفة التي أقيم فيها خمس نسخ من مجموعتي القصصية آملاً ألا أسمع منها مزحتها المعتادة. هذا ما اعتقدته حينها، لكن شيئاً لم يتغير إلا ابتسامتها التي كانت أكثر خبثاً تلك المرة وهي تردد مزحتها التي باتت كالـ مرحبا:

– يا نور بلكي طلعت من داعش شو منعمل نحنا؟!

* * * *

عجزتُ عن تكوين صداقات دائمة هنا، أعزو ذلك إلى “اختلاف الهمّ”، بالإضافة إلى أنني لست من روّاد مقاهي بيروت ولا ورشات المجتمع المدني.. حقيقةً لستُ من روّاد شيء

الآن، بعد ست سنوات من إقامتي في بيروت، يتضح لي، وأنا أمسح سخام النزوح عن ذاكرتي، كيف يتحول الإنسان إلى مسخ حقيقته خارج بلده، خصوصاً إذا أضفنا إلى ذلك مخاوف الإقامة والعنصرية وصعوبات المعيشة… فيضطر بشكلٍ لا واعٍ لممارسة سلوكيات دفاعية مثيرة للغضب أو الحزن أو السخرية أحياناً.

على سبيل المثال، في النادي الرياضي تبادلت لأكثر من أسبوع الابتسامات، كرسائل سلام، مع شخص غريب، إلى أن تشجّع مرة واقترب مني وسألني:

ـ من وين؟

لم أُجب حينها كما أجبت بائع العصير الطرابلسي:

ـ حمص، باب الدريب؛

فالزمن تغيّر وصارت الإجابة “من سوريا” أكثر راحة للسائل والمجيب.

ردّ عليّ:

ـ وأنا كمان من السويدا.

من بعدها لم نعد نتبادل الابتسامات، لو أننا تعارفنا منذ البداية لوفرنا على أنفسنا ابتسامات اللطف الساذجة التي صرتُ أعرف السوريين في الأماكن العامة من خلالها، تلك الابتسامات المرتبكة المبالغ في لطفها.

* * * *

الحي الذي أسكن فيه منذ أربع سنوات تقريباً صار حارتي. لي فيه معارفٌ وناس ألفوا وجهي وألفتُ وجوههم. نتبادل ابتسامات وتحيات حقيقية. لكني عجزتُ رغم ذلك عن تكوين صداقات دائمة هنا. أعزو ذلك إلى “اختلاف الهمّ”، كما أحبّ أن أسميه. بالإضافة إلى أنني لست من روّاد مقاهي بيروت ولا ورشات المجتمع المدني. حقيقةً لستُ من روّاد شيء.

وربما كان السبب الأكثر عمقاً ما كشفته لي إحدى الصديقات المؤقتات عندما سألتني مرةً عن سبب تواجد حقائبي في غرفتي كما هي، أي من دون أن أخرج أغراضي من داخلها وكأنني وصلت للتو. انتبهت حينها للأمر أول مرة، وكان ذلك بعد أربع سنوات من تواجدي في بيروت. اكتشفت حينها أنّي لم أدخل لبنان بعد.

وما زلت ممسكاً بحقيبتي، واقفاً على الحدود، وكأنّي أقف أمام باب بيتنا معتذراً، أنتظر أن يسمح لي أبي بالدخول.

معتذراً من الناس، من المعتقلين، وأهالي المفقودين، من الذين لم يغادروا مواقعهم ولا مواقفهم، من الأصدقاء الذين لم تُفلت قبضتهم أحلامهم إلا مع أرواحهم.

أحاول أن أقولَ ما سبق بأقلّ قدرٍ ممكن من العاطفة والرومنسية. لا أوفّق كثيراً، لكن بعد كل هذا هل يُعيبنا البكاء؟

* * * *

آدم، ابن صديقتي، الذي أطلق على الأشياء أسماءها، لم يُقِم هنا بما يكفي لتبهُتَ الصورة الأولى في عينيه. سافر إلى كندا.
أما أنا فبقيت هنا حتى يجفَّ البحر داخلي، ويتقلّص الجبل في عيني يوماً بعد يوم.