في الزقاق، رأيتها للمرّة الأولى. كانت تلتقط تفّاحة سقطت من كيس في يدها. لا أدري كيف انبثق السؤال: “ماذا لو هرعتُ لالتقاط التفاحة معها؟” كنت أحثّ السير أبغي “سرفيس” يقلّني إلى عملي. ازدياد عدد النازحين التهم فراغات وسائط النقل. وراتبي الوظيفيّ لا يحتمل كلفة سيّارة الأجرة. في “السرفيس”، انحشرت في مقعد جانبي، ورحت أتساءل عن جدوى مساعدتي امرأة عجوز في التقاط تفاحتها!

تكرّرت لقاءاتي العابرة بامرأة التفاحة الفارّة. امرأة سبعينية ربما، ذات جمال عتيق بيّن، وعزّ ولّى. تتشح بالسواد دائماً. وحيدة دائماً.

الحرب تقنص المجاز أيضاً. تذبحه. هنا، المجاز يخصّ الموت وحده، هذا الذي يتناسله، ويتكاثره كبيوض حشرات سامّة!

بتنا نتبادل النظرات العجلى كأنّها المرحبا. مرّة سمعت صوتها، كانت تتحدّث عبر هاتفها الجوّال. لهجتها عراقيّة. قالت: “شلون، يمّا، هالحين ماكو سويد ماكو دانيمارك؟!” تجمّدت أنفاسي، وتاه منّي الطريق. كنت أسير في ظلال جدران الأبنية. ذلك الصباح، استيقظنا على أصوات الانفجارت تدكّ المدينة.

هي عراقيّة إذاً! أي “من تحت الدلف لتحت المزراب”! كم حرب مرّت على سنواتك السبعين العراقيّة، يا أمّ؟ وكم حرب ستعبر سنواتي السوريّة القادمة؟ وأيّ زقاق غريب، قد تقذفني إليه؟

لمَ لا أتحدّث إليها؟

ذات ظهيرة، صادفتها في الزقاق ذاته، تبادلنا رنوات التحيّة المعتادة. متى أتحدّث إليها؟ كنت أغذّ السير إلى بيت صديقتي للاستحمام، قبل انقطاع التيّار الكهربائي. المياه في حارتي مقطوعة منذ أيّام. صديقتي هذه مطلّقة، ورغم أنّها هي التي طلبت الطلاق، فقد أبقت خاتم زواجها في إصبعها مدّة عشرين عاماً، درءاً لاستباحة الذكور، ولم تنزعه إلّا مع بداية ما كان يسمى ثورة.  الآن، أدركت صديقتي أن ما صانها وابنتها، هو إصرارها على أمومة من دون شوائب، فلا فضل لخاتم الزواج البتّة. خلعته إلى الأبد. خذلتنا “الثورة” لكنّ صديقتي لن تخذل، ثانيةً، ذاتها القادرة.

يا للذكور العتاة! المتحاربون السفاحون، عابروا الأزمنة والأمكنة! اقتلعوا المرأة من عراقها، من سوريّتها، يمنها، ليبياها، وفلسطينها، و…من تاريخها كلّه.

اختفت المرأة العراقية في بداية هذه السنة. الزقاق الموحش ناقص. هل هاجرت ثانية؟ أم نزلت ترتاح تحت التراب من أثقال قصمت ظهرها والروح؟ في أوطاننا المغدورة، أيضاً: “ماكو بواب مفتوحة، يمّا!”

لمْ أتحدّثْ إليكِ. يستعمرنا الاختناق!

“ماذا تعني لك الثورة والحريّة؟” أجابت إحدى اللواتي زُوّجت ولا تزال ترتدي طفولتها: “- أنّني تحرّرت من زوجي؟”

نساء سوريّات هنا وهناك، تثقلهنّ ذكريات الماضي الهباء، ويتخبّطن في الآن اليباب، يتهاتفن مع أبنائهن البعيدين، يحتضنّ قبور أكبادهنّ، يبكين البيت والوطن، وفي مخيّمات الذلّ يرقّعن المعد الخاوية والكرامة المسفوحة. فكيف للسواد أن يتقشّر عن أثوابهنّ ويُجتثّ من صدورهنّ؟

السواد لوننا العربي المخزي. لون عارنا الذكوريّ المستبسل في قتل بياض الأنوثة، عمداً، ومع سبق الإصرار والترصّد.

“ماذا تعني لك الثورة والحريّة؟” أجابت إحدى اللواتي زُوّجت ولا تزال ترتدي طفولتها: “- أنّني تحرّرت من زوجي؟” لم تكن تدرك أنّ القمع والعنف، سجون الرأي، قانون الطوارئ، وقانون الأحوال الشخصيّة، أسباب قيدها. في إجابتها العفويّة تلك، كثّفت تاريخ وحاضر، من أسمتهنّ البطريركيّة القوارير والحرائر اللواتي يبحثن عن وطن صغير بأربعة جدران دافئة وسقف آمن.

إحدى الأمّهات التي لم تعد تعرف لزوجها أرضاً أو سماء، ترعى أطفالها الخمسة، قالت بافتخار: “تعلّمت الكتابة والقراءة، لكن شو؟ لازم أعرف شو هو الورق اللي بيبصموني عليه”، إذ شاعت قصص كثيرة عن استغلال الذكور للنازحات، لا سيما الأمّيّات بينهنّ، مثل أن تبصم على عقد زواج وهمي، لينفتح باب التهديد والاغتصاب، ثمّ الهجران.

أحد الذكور، قتل ابنته لأنّها خلعت الحجاب، وآخر قتل زوجته لأنها طلبت الطلاق. وثالث، لا يني يهدّد زوجته بالقتل، لأنّها استقلّت، واستعادت كينونتها الحرّة. سيصعب عليها إغفال ابتسامتها المقهورة وهي تقبض أجرها الوظيفيّ للمرّة الأولى، أو التنكّر لضحكتها الساخرة وهي تراه على حقيقته، هزيلاً مرتعباً منها، ومن فقدانه لامتلاكها.

أُلقي بالمرأة/ البلاد في دروب التيه الطويلة، وها هما تجنحان عن الطريق، بحثاً عن الأمان والحب. ألا يكفي نيل الأمان والحب لتفجير ثورة؟

كنّا في سابقنا الخانق، نضرب برؤوسنا الجدران المحيطة بنا، نضربها بخوف وشكّ وأمل. الجهل بالطريق كبير، والخراب أكبر. العسس في الأمكنة كلّها! حاولنا الحفر في الجدران على قدّ قدرة رؤوسنا المعرفيّة والثقافيّة والفنّية وجرأتها، لعلّنا نُحدث ثقباً يدخل منه الضوء، فنرى.

تجرّأنا على الحلم باقتلاع شجرتهم اليابسة، وصياغة عالم مختلف يحترم الإنسان الذي خلقه الربّ على شاكلته. الربّ خاصّتنا محبّ يجلّ العقل فلا يهزأ به. في عالمنا المفترض، لا جنّة هزليّة تشرّع الفجور في أخيلة ليبيديّة مريضة، ولا عذاب قبر أو جحيم بائس يديره إله ساديّ مرعب.

عالمنا الحلم، بلا قابيل أو هابيل، وبلا أخ أكبر أو أصغر، عالم يقف فيه الرجل والمرأة بكامل قيافتهما المعرفيّة، الأخلاقيّة والإنسانيّة، وبحبّ لهذه الأرض لا يفوقه أيّ حبّ، يصوغان معاً المجتمع الذي يليق بالإنسان.

سحقت الحرب البلاد، وأسقطتها في أعماق الدياجير المرعبة، بينما صمدت الجدران عالية تحيط بنا. يستعمرنا العجز الفتّاك!

إنّما، في قلب هذا الدمار البطريركي الرهيب، تستبسل السوريّات لحفظ العيش والكرامة، في مختلف المهن الإداريّة، في بيع خيرات الأرض، وبيع غرزات خيطانهن، طبخاتهنّ، تعب أصابعهنّ تمسح الأحذية والأوساخ عن العباد، ركضهنّ نادلات في المطاعم والمقاهي، و… جميعهنّ يعملن، في الداخل السوريّ أو خارجه. يصمدن بصبر ضخم في وجه الموت والموات، الفساد والإفساد المؤسساتي وغيره، في وجه قضاة اللاعدالة، وتشريعات الرؤوس القاتلة.

أستثني النساء السوريّات من معارضات ومواليات تاجرن، قبل الحرب وخلالها، بالأرض والكرامة، بدمائنا والكلمة، بالقدس والجولان، يتشدّقن بتحرّرهن المخادع وحبّهن المنافق للوطن، بطريركيّات بامتياز، عبيدات الظهور والمال في مؤتمرات المؤامرات، ومؤتمرات الغفلة، في الاتفاقيّات العاجزة، وعلى الفضائيّات كلّها.

وسط هذا الجحيم، وهذيان الإجرام وعربدته الدمويّة، وسط ضياع المعايير الأخلاقيّة والقيم الإنسانيّة، تبدو ظلال امرأة سوريّة جديدة مختلفة، قادمة مهما طال الزمن. الزارعة الأولى في التاريخ، تجيد زرع تفاحها وغرس صرختها. ماهرة في اقتلاع الأعشاب الضارّة والأشجار العدوانيّة، من مساكب أنوثتها البهيّة. امرأة تخلع عنها ورقة التين الذكوريّة، وتفتح فخذي كلماتها ومفرداتها، أحلامها وطموحاتها الخلّاقة، للريح، للعاصفة، للحياة، ولاستعادة الوطن الحرّ الكريم!

 
×