كنت في الصفّ الأوّل الثانوي حين دخلت إلى صفّنا فتاة جميلة للغاية، تكبرني بعشر سنوات تقريباً، رافقَتها موجّهة الطابق.
سألت الموجهة “مين حابب يمثّل؟”. لم أسمع السؤال جيّداً، لكنّني رفعت يدي دون تردّد، فالأمر، بالضرورة، له علاقة بتلك الصبيّة الفاتنة.
“رانيا”، كان اسمها رانيا، تعويذة الفنّ، الساحرة التي قادتني نحو الـ”ديزني لاند” المدعوّ “مسرح الشهيد عبد الحميد الزهراوي” / حمص.
أدخل المكان اليوم فأستعيد رهبة الزّيارة الأولى. القماش المخمليّ للكراسي الموزّعة على ثلاث كتل. الكواليس الواسعة ذات السقف الأسود. رائحة الخشبة. المزاج الكنائسيّ الناتج عن رجع الصدى.
“لسنا هنا لنلعب، ولا لنجالس الفاتنات”، هذا ما قلته لنفسي حين دخلت المسرح أوّل مرّة، فقد أدركت، سريعاً، أنّ مكاناً مهيباً كهذا ليس مخصّصاً للهو.
بدأنا نتعلّم أساسيّات فنِّ الممثّل. بدا الأمر معقّداً بدرجة، وممتعاً بدرجات. تالياً، صرنا نسمع عن المعلّمين الأوائل “كونستاتين ستانسلافسكي”، “أنطون تشيخوف”، “برخت”، “مايرخولد” وغيرهم من المسرحيين الّذين ما إن قرأت عنهم ولهم حتّى أدركت أنّ المسرح ثقبٌ أسودٌ على شكل خشبة، لكنّه جميلٌ للغاية وسيبتلعني إلى الأبد، وهذا ما كان.

تعلّمت على الخشبة

(1) الاحترام
ذات يوم، دخلتُ إلى المسرح كي أشاهد بروفا لفرقة مدرسيّة. لففت ساقاً على ساق، فشعرت بلسعة على ركبتي جعلتني أسوّي جلستي فوراً. اقترب المسرحي والمترجم الحمصيّ، الطيّب الذكر، ضيف الله مراد منّي وهمس “بالمسرح ما فيك تحط رجل على رجل.. عيب”.
(2) الإخلاص
كنّا نؤدّي بشكلٍ سيء للغاية. استوقفنا المخرج سامر أبو ليلى وقال لنا “ارتفاع الخشبة يجعل أقدامكم على مستوىً واحد مع رؤوس الجمهور، هذا يفرض عليكم أن تشتغلوا بإخلاص لتقديم منتجٍ يليق بمن سيجلسون قبالتكم، اعملوا بجدٍّ أو اهجروا المسرح”.
(3) الحريّة
بعيدَ أحد العروض، قال أحد المتفرّجين، خلال ندوات المناقشة، إنّه لن يأتي بابنته، مجدداً، إلى المسرح، فالممثّل الّذي ظهر عاري الصدر على الخشبة، يحيل إلى خلاعة غير مقبولة.
أذكر أنّ أحد أعضاء فرقة “المسرح العمّالي”، وهي فرقة عريقة ورائدة في حمص، نهض وردّ قائلاً “هاد مسرح مو دائرة توجيه تربوي يا أستاذ، وإذا ما بتعرف شو يعني مسرح، فالأحسن أنّو أنت كمان تبطّل تجي، هون نحنا أحرار، ما منفصّل مسرحيّاتنا على ذوقك”.
(4) الإيمان
في النصّ الأوّل الّذي لعبته على الخشبة، يقول المؤلّف “ريتشارد ناش” على لسان شخصية “بيل ستاربوك” في مسرحية “صانع المطر”، يقول “الإيمان هو الاعتقاد بأنّك ترين شيئاً أبيض حين تخبرك عيناكِ بأنّه أسود، هو المعرفة عن طريق القلب”.
(5) الخلق
ضمن فعاليات “دمشق عاصمة الثقافة العربية” عام 2008، شاهدت مسرحية “المهاجران” (نص سلافومير مروجيك / إخراج د.سامر عمران/ تمثيل سامر عمران ومحمد آل رشي، دراماتورجيا د.أسامة غنم) وأدركت يومها معنى أن تشتغل بعمقٍ على فرضية بسيطة، فتصدم المتفرّجين بصورةٍ تدفعهم إلى إعادة النظر في عموم حياتهم. أدركت معنى أن تكون مدهشاً. أدركت معنى “الخلق”.

لن يكون هناك خشبة أعلّم عليها ابني

عام 2013، وأثناء كتابتي لمسلسلٍ تلفزيونيّ طويل، أجريت بحثاً لمقارنة عدد المساجد بعدد المسارح ودور السينما في العاصمة السورية، فكانت النتيجة كارثية للغاية.
عدد المساجد والجوامع والمصلّيات في محافظة دمشق، حينها، كان يزيد عن عشرة آلاف (لا بدّ أنها زادت وصولاً إلى لحظة كتابة هذه الأسطر) أمّا المسارح ودور السينما، فقد كانت، وما زالت، لا تزيد عن عشرة. هذا التآكل الثقافي يحدث في دولة يُقال إنّها “علمانية”.
يخطر في بالي:
وفق هذا التنامي المساجديّ، وعلى فرض أنّني تزوّجت وأنجبت، فإنّ ابني، حين يبلغ بداية وعيه، لن يجد مسارحاً ولا دور سينما ولا مراكز ثقافية ولا صالونات أدبية ولا منتدياتٍ فكرية يلجأ إليها. لن يجد إلّا المساجد.
ماذا عن “الاحترام” و”الإخلاص” و”الحرية” و”الإيمان” و”الخلق”؟ لن يكون هناك خشبة أعلّم ابني عليها.
حسناً، فلننظر إلى النصف الممتلئ من الكأس… المهم إنّها علمانية.

 
×