بعد أيّام عدّة على اعتقالي، انتبهتُ إلى أمرٍ راح يتكرّر يوميّاً، في التوقيت نفسه تقريباً. كانت تصلني همهمات من الزنزانة المجاورة، وصوت متعب ومقهور لرجل يردّد، وهو يطرق على باب زنزانته: “أرجوك، يا بُني، أعطني شربة ماء!” ثمّ أسمعُ السجّان يصيح: “اخرس، يا كلب! الكلاب لا تستحق أن تشرب. اذهب واشرب بَوْلكَ، أو بَوْلَ أُمك!”

رحتُ أكرر السؤال لنفسي كلّما سمعت السجّان يشتم المساجين واصفاً إيّاهم بـ”الكلاب”: “لماذا يعتقد السجان أنّ الكلاب لا يحقّ لها أن تشرب؟”

أمّا الرجل فما كان لييأس ويكفّ عن طلب شربة الماء. كان يواصل الطرق على الباب، ويكرّر الطلب ذاته إلى أن يأتي السجّان.

‎في النهاية، كان السجّان يرضخ لعناد الرجل، فيفتح باب الزنزانة، ويصرخ كالضبع: “ألم أقل لك أن تخرس، يا كلب، وتشرب بولَك؟” يتخلّل ذلك صوتُ لسْعات السوط ينهال على جسد الرجل. وبعد أن يُشبِعَ غلَّه، يقول: “الآن، وقد نِلْتَ نصيبَك، تعال لتشرب، يا كلب!”

بعد ذلك مباشرة، كانت أصواتُ المساجين الآخرين تعلو، طلباً لشربة ماء. كان كلّ صوت بينهم، يقول:

“أرجوك يا سيدي، اجلد كلّاً منّا مئة جلدة، ألف لو أردت، فقط اسمح لنا أن نشرب! كأس واحدة تكفينا جميعنا!”

أمّا هو فكان يقهقه عالياً، ثمّ يقول:” فشرتم! أنا أضرب بسوْطي في الوقت الذي أريد، على جسد من أريد، وليس تلبيّة لرغباتكم، يا كلاب!” وقبل أن أسمع صوت باب الزنزانة يُغلق، كنت أسمعه يقول للرجل الذي جلَدَه: “أمّا أنت، فتعال!”

في تلك الأثناء، كنت أمشي على رؤوس أصابعي كي لا يشعر بي السجّان. أقتربُ من باب زنزانتي، أقرّب عينيّ من فتحة صغيرة في الباب، وأراقبه وهو يقود الرجل إلى صنبور الماء المجاور لباب زنزانتي. لم يكن ممكناً أن أراهما بالطول الكامل، فمستوى ارتفاع الفتحة ومحيطها لا يُمكّناني من رؤيّة ما يتعدّى وسطيْهما. كان السجّان يرتدي ملابسه الاعتياديّة التي أراه فيها عند دخوله زنزانتي. أمّا الرجل الآخر فكان لا يكاد يستر عورته! لباسه الداخليّ ممزّق ومبقّعٌ بالدم. كان من السّهل ملاحظة نحول جسده وهزالته.

كان السجان يكيل السباب للرجل وهو يشرب، أمّا الأخير فما إن يروي ظمأه حتى يقول: “سقاك الله يا بني، بجاه هذا الشهر الفضيل”. ذكرني دعاء الرجل أننا كنا في شهر رمضان، وأنني حين اعتقلت قبل أيام كانت التكبيرات تصدح من جوامع دمشق مؤذنة بموعد الإفطار.

مشهد السجّان والرجل راح يتكرّر كلّ يوم. إلى أن جاء اليوم الذي طلبني فيه الضابط المسؤول إلى التحقيق.

دخل السجان إلى زنزانتي، عصَب عينيّ، ثم قادني إلى غرفة المحقق. في الغرفة فكّ الضابط العصبة، وطلب منّي الوقوف جانباً ريثما ينهي عمله مع الرجل الذي كان يستلم من الضابط أغراضه المحفوظة، منذ يوم اعتقاله، في أمانات السجن: نطاق جلدي مهترئ الحواف، ساعة يد، ومحفظة جيب رثّة. يبدو الرجل في السبعين من عمره، يرتجف من رأسه إلى أخمصيْه. البنطال الذي كان يرتديه كبُرَ عليه بمقاسين على الأقل. حاول تثبيته على خصره بوساطة الحزام الذي أعاده له المحقّق.

حاولتُ كبح بكائي، فيما كان الرجل ينطُق، وهو يسوّي الحزام، قائلاً: “شكرا،ً يا بُني!”. سرعان ما عرفتُ صوته. إنّه الرجل ذاته الذي كان يتوسّل إلى السجّان ليعطيه ماءً، ويشكره! استنكرتُ ذلك في قاعيَ السحيق! “شكراً” تلك، حرقَتْ عينيّ، فجّرت دمعي، جرحت وجنتيّ، وكرامتنا المُستباحة والمهدورة!

ثم قبل أن يُعتَقَ الرجل ويخرجَ، قال له الضابط: “اسمع يا رجل، أحذّركَ! إيّاك أن تتكلّم عنّا بسوء في الخارج! أنت تعرف أن اعتقالك كان مجرّدُ خطأ، لتشابُهٍ بالأسماء”!

 
×