أستيقظُ في السابعة من صباح يوم جمعة شديد الكآبة.

لا يوقظني المنبّه ولا الشمس في العيون،

بل شيءٌ مثل الوحي يسقط على رأسي:

“ما أريده هو أنت”.

ويصحّ أن أصيح:

“زمّلوني، زمّلوني”، ففي ظني أن الحب أشد إحداثاً للذعر من النبوة.

* * *

أقرر إذاً أن أخرج.

سأختار مقهى ما وأكتب شيئاً أو قد أجلس فحسب؛

تبدو غرفتي شديدة الضيق في حالات مثل هذه،

وأحتاج أن أنسكبَ في وعاء أوسع، حتى إن لم يكن لي،

(حدث هذا مرّة حين أحببتكَ)..

* * *

يوم جمعة هو،

والبرد على أشدّه.

تبدو الشمس في سماء الشتاء مثل فتاة في حالة حب؛

تضيء ولكن لا قوة لها على قهر البرد.

أتجوّل في شوارع اللاذقية،

الشوارع الاعتيادية ذاتها، وبلا تغيّرات تذكر، سوى ازدياد تكشيرات الوجوه، والتجدّد المستمر لأوراق النعي على الجدران.

تمرّ سيارة تصدح بأغنية من التسعينيات، ألتقط من كلماتها شيئاً له علاقة برجل هو “حلال” امرأة ما فقط لأنها تحبه؛

ستبدو الفكرة مضحكة بالطبع ما إن نقوم باختبارها في المحاكم وصالات العزاء..

في الشارع أيضاً، امرأة تسأل ابنتها “لسّا بردانة؟”

لا أستطيع أن أخمّن ما الذي تغيّر ليتم هذا “التحديث في الحالة”،

فالشتاء لا يزال هنا، والبلد هو البلد وإن يكن صار أكثر قسوة في حالة “انتصاره” المزعومة هذه.

كان ثمة حرب ويقولون لنا إننا انتصرنا،

لكن الكهرباء تنقطع وسط إعلان النصر التلفزيوني،

فيصيح صوتٌ في داخلنا: “كم لبثنا؟”

عشرة أعوام ليست بكثير، فلماذا لم نعد نعرف البلد ولم تعد تعرفنا؟!

“لسّا بردانة؟” لا أسمع جواب الطفلة، لكن صوتك يرنّ في ذاكرتي بسؤال مشابه: “لسّا بتحبّيني؟”

والبلد هو البلد، وأنتَ أنت..

* * *

يوم جمعة آخر ومختلف،

لن أذهب إلى القرية كعادتي.

فجدّتي ستنظر إلى وجهي وتحزر فوراً “لستِ بخير”،

وسيقول جدي مبتسماً: “يلعن اللي بيزعّلك”، وقد لا أستطيع حمايتك من اللّعنة كل مرة.

“الله يحبكِ”، قال لي صديق مرة..

“الله يحبني”، صدّقتُ ذلك لواحد وثلاثين عاماً، ثم جئتَ أنتَ، وبتُّ أتساءل: “هل يحبني الله؟” نعم، ربما. مثلما يقولون إنه أحب “ابنه الوحيد” وابراهيم وأيوب وجميع الذين تروي الحكايات أنه إنما أراد فقط بكل لطفٍ “اختبارهم”.

“إلهي، إلهي. لماذا شبقتني؟”

* * *

يوم جمعة هو.

أين سأجلس؟

جربتُ ثلاثة مقاهٍ حتى الآن وجميعها مغلقة.

تموت البلد يوم الجمعة،

برغم أنه من التفاؤل القول إنها تحيا في بقية الأيام.

أين سأذهب بنفسي؟ والحال حالُ “على أيّ جانبيكَ تميل؟” الحب أم البلد؟

وهل أشد هشاشة من الحب؟ الحياة، ربما..

أتذكر حال الجنود الذين ينتظرون تسريحهم؛ أنا وهم ننتظر أن يقول لنا أحدٌ أعلى: “أنتم أحرار”، فنحن أوهن من أن نهرب بأرواحنا.

عشرة أعوام لثلاثينييّن مثلنا تُفقَد من روزنامة العمر كقرون،

وباعتقادي أن للحب الكثافة ذاتها كالحروب، التبذير ذاته.

“يقول المتشائم: لن تكون الأمور بأسوأ من هذا،

يقول المتفائل: بل قد تكون”،

ولطالما عددتُ نفسي من المتفائلين،

وتفاؤلي ذاته هو من ضلّلني،

والبلد بخير

والحب

والكتابة

والأحلام..

* * *

صباح جمعة جديد، ولا أزال هنا.

اعتقدتُ لأيام كثيرة أنّي لن أستيقظ،

لكنّي كنت دوماً أفعل..

اللعنة! عرفتُ مذ قرأتُ “ذهب مع الريح” أن سكارليت أوهارا ستتلبّسني،

وسأجد نفسي كل مساءٍ أقول: “غداً يوم آخر”، وأستيقظ مضطرة.

“يُمتحن الذهب بالنار، والرجال بالتجارب”،

بماذا تُمتحن النساء إذاً؟

بالحب، على ما يبدو.

* * *

وجدتُ أخيراً مقهى لا يقيم وزناً ليوم الجمعة.

مقهى له اسم انكليزي يعني “السعادة”؛ كلمة كبيرة لمقهى صغير،

أدخله وأعرف أنّي لن أنالها،

كما لن يفعل أيٌّ من داخليه.

يفعل السوريون كل ما من شأنه أن يسبّب الفرح، ولا يفرحون،

يحبون وينجبون ويأكلون،

يهللّون للمتع البسيطة المفقودة:

كهرباء في غير موعدها

زيادة في الرواتب

خبر يملي عليهم أنهم انتصروا

وشهيد حيّ يعود إلى أهله بعد سنين من اختفائه

ليقول لهم “لم أمت”،

فيجيبون: “لكننا متنا”..

* * *

يبدو العالم الآن أشد حلكة،

والشمس كما قلنا:

“فتاة في الحب، تضيء ولا قوة لها”

العالم أشد حلكة؛

أسجّلُ العام الذي “مضى” كأسوأ أعوامي، ويبصم معي ملايين السوريين “بالدم”.

يوم جمعة هو،

والعالم في عطلة طويلة من العيش؛

(العيش كما كان يجب أن يكون).

وجدتُ مقهى لأجلس في فراغ أوسع،

لكن اليوم يبقى يوم جمعة وما من شيء أوسع؛

فالبرد على أشدّه

وأنتَ لست هنا

وقد “انتصرنا”.

المزيد من هذا المؤلف

Related Articles

عسلٌ هشّ

 
×