تقول الطبيبة: سوف تدخل أمك في المرحلة النباتية!

أشرد: ستغدو أمي شجرة. سوف يصح ما قالته قارئة الفنجان: “لديك شجرة تظللك… إنّها أمّك”.

تتابع الطبيبة كلامها: ستكون أمك حبيسة الفراش؛ هذه هي المرحلة الأخيرة من مرض الزهايمر. لا تندهشي، سوف تخبئ الأشياء داخل سريرها.

كاد الأمر يبعث الضحك في داخلي. فقد اعتادت أمي قبل مرضها بكثير أن تخبّئ نقودها تحت الفراش ومصحفها تحت الوسادة، وأن تربط بقوائم السرير قصاصات الأقمشة التي كانت تجلبها من المزار.

رحتُ أحلم بالشجرة التي ستكونها أمّي.

أمي القصيرة، ماذا لو غدت شجرة سرو؟

يمرّ بسام حجار في ذاكرتي: “السروة شجن الشجرة وليس الشجرة، ولا ظلّ لها لأنها ظلّ الشجرة”. يقاطعه محمود درويش: “السروة انكسرت كمئذنة، ونامت في الطريق على تقشّف ظلها”. أميل إلى درويش، وأقول: “معك حقّ، أمّي صغيرة جداً نامت على تقشف ظلّها”. ثم أقول لبسام حجار: “وأنت أيضاً معك حقّ، أمّي ليست شجرة. أمّي شجن خالص”، ثم أغرق في بكاء عميق.

تدخل أمّي المرحلة النباتية، ولا يمر أسبوع أو أسبوعان من دون أن تُصاب بنوبة اختلاج: يعلو صوت يشبه صوت الديك ثم تتخشب وتعضّ على شفتها، تبيض عيناها… وتشخر. أقول إنّها النهاية، لكنّها تغرق في نوم عميق لا تلبث أن تصحو منه بنشاط ذهني غريب وهلاوس غير مفهومة لا تتوقف.

ضياع اللغة منفى. أتذكر أرمنياً مهجّراً من الرقة في الحرب السورية مصاباً بمرض الزهايمر. كان تائهاً في شوارع اللاذقية، كلما سألناه عن بيته وأهله أجابنا بلغته الأرمنية. كان في منفى مركّب، منفى اللغة ومنفى المكان، مثل يانكو في قصة جوزيف كونراد “إيمي فوستر”.

تقول صديقتي المتدينة: روح أمك تعيش الآن مع أرواح أخرى، تحلق الآن في عالم جميل. عليك أن تؤمني بالله الذي سيكافئك كثيراً على العناية بأمّك.

لم يسبق لمكافأة الله أن خطرت لي! لطالما اعتنيت بأمي لأنّها أمي ولأنّي أحبها ولأنها أهلٌ للحب. لكن كلام صديقتي جعلني أفكر: هنيئاً للمتدينين، لديهم تلك الطمأنينة التي يجب أن أحسدهم عليها.

تؤمن أمي بالتقمّص. كانت تقول لي وهي تنظر إلى ملابسي وتهزّ رأسها: يكافئ الله المؤمنين بحياة أخرى أفضل من حياتهم الحالية. في الجيل القادم، لن يخلقك الله على هيئة إنسان. فلتلبسي ثياباً محتشمة!

أضحك وأقول لها: حسن، لا أريد حياة أخرى… أريد أن أعيش هذه الحياة فحسب، وليرسلني بعدها إلى الجحيم.

فتحتجّ وتقول: أنتِ خريجة جامعية؟! ليت أبي أرسلني إلى المدرسة، في الجيل القادم سأذهب إلى المدرسة.

أتذكر كلامها الآن وأتمنى حقّاً أن يكون ثمة تقمص؛ تستحقّ هذه المرأة الطيبة حياةً أخرى تذهب فيها إلى المدرسة.

تقول الطبيبة: عليك أن تحضري فرشة هواء تعمل على الكهرباء كي لا تصاب أمّك بتقرحات الاضطجاع! وعليك أن تقلبيها على طرفيها كلّ ساعتين.

تُصاب أمي بتلك التقرحات ويتسلخ الجلد ويسقط اللحم نتيجة الاضطجاع المديد، مع أن الفرشة الهوائية الكهربائية موجودة: إنما في بلد لا تنفك تُقطع فيه الكهرباء.

تذكرني عبارة الأطباء “لن تعيش سوى ستة أشهر” بكلمة “خِلْصِتْ” التي أُطلقت بعد أسابيع من اندلاع الأحداث في سوريا. أضحك أم أبكي؟ أقف حائرة في المنتصف.

في جميع الأفلام التي شاهدتها عن مرض الزهايمر، لم يصل أيّ مريض إلى الحالة النباتية. حتى في أوروبا، يقدم كثيرون على إعطاء أحبائهم “إبرة الرحمة”.

“إبرة الرحمة”! يا لروعة من ابتكر الفكرة! يا لصعوبة أن يبلغ عزيزٌ هذه المرحلة وما فيها من تشوّه وعجز وتبقى على تمنياتك له بطول البقاء! “إبرة الرحمة” هذه محرّمة في بلداننا، أمّا الموت في أقبية التعذيب وفي التظاهرات بطلقات القنّاصة أو بتفجيرات ممثلي الله على الأرض، فذلك محلَّل.

يقول الأطباء: لن تعيش أمّك أكثر من ستة أشهر.

أفكر بيني وبين نفسي: حسن، ستة أشهر كافية لتشفى أمي من هذه التقرحات، لن تموت وفي جسدها بثرة واحدة.

أواظب على تقليبها وتعقيمها.

تشفى أمّي وأقع فريسة الأرق.

لم يعد بوسعي أن أغفو، وإذا ما غفوت أستيقظ مذعورة وفي رأسي دماء تنز من جسدها ومن الصور على شاشة التلفاز.

تذكرني عبارة الأطباء “لن تعيش سوى ستة أشهر” بكلمة “خِلْصِتْ” التي أُطلقت بعد أسابيع من اندلاع الأحداث في سوريا. أضحك أم أبكي؟ أقف حائرة في المنتصف.

” خِلْصِتْ “! لم تخلص.

وأمّي أيضاً لا تلبث أن تفقد القدرة على البلع وتتوه نظراتها أكثر فأكثر.

أقول لا بأس. سأطعمها كلّ ساعتين سائلاً ما. أواظب أربعة أشهر، فتعود قدرتها على البلع ثانية.

أفرح: ” خِلْصِتْ “.

لم تخلص: باتت أمي التي استعادت البلع دمية خشبية.

في طفولتي، لم أحظ بدمية. كنت أصنع دمى خشبية أخيط لها الفساتين وأملأ الخيوط بالخرز الملون لأصنع لها أطواقاً. الآن، غدا لدي دمية حقيقية ليست من صنعي، دمية تأكل وتغني بلا انقطاع، دمية تناديني: “ماما”، أنا التي لم تفكر بالإنجاب يوماً.

قيل لي إن مرض الزهايمر يُورَّث. شاهدت ذلك في أفلام عدة، وذُعرت. ألعن الوراثة جمعاء.

لن يدوم هذا طويلاً. أغمض عيني، أرى فتاة صغيرة تمسك بحقيبتها المدرسية وتلوّح لي. أخاف عليها من الرصاص الطائش، من المفخخات، من الحرب، من الموت تحت التعذيب…

يا أمّي، إذا حدث وعشت حياة أخرى، اختاري بلداً آخر.

 

 

 

 
×