كان عمري خمس سنوات حين جلب لنا والدي هاتفاً أرضياً قديم الطراز (الهاتف ذو القرص). اكتشفت أنّ له سمّاعةً ملحقة، بمعنى أنّ شخصين اثنين يستطيعان أن يسمعا محدّثهما على الجهة المقابلة. شعرت حينها أنّنا متقدّمون، تكنولوجياً، على الحيّ كله.
عندما دخل اللاسلكي إلى بيتنا، أُصبت بفرحة أطفال. صرت أبحث عن سببٍ يجعلني أُهاتف أصدقائي. كانت متعة أن تتحدّث “على الماشي” لا توصف.
بعدَ عامٍ ونيّف، شاهدت الكومبيوتر للمرة الأولى. كان الـ”case” ضخماً للغاية، حتّى أن ابن عمّي وشابّاً آخر تعاونا على حمله، وجرت الاستعانة بخبير تقنيّ لتوصيله وتشغيله.
أبتسم حين أتذكّر لحظة تعاملي مع الكبيورد للمرة الأولى. ضغطت على زرّ space فشاهدت الأمير يقفز في لعبة Prince. “أنا أتحكّم بالأمير”. يا لها من نشوة!
كان أقرباؤنا في الشام يحسدوننا، نحن سكّان المنطقة الوسطى، لأنّ اللاقط الهوائيّ، الموصول بالتلفزيون، يساعدنا على مشاهدة بعضِ القنوات اللبنانية، إضافةً إلى فضائية تُركية، الأمر الّذي لطالما ثمّنه السوريّون المحاصرون بالخطاب الحزبيّ للقناتين المحليّتين الأولى والثانية.
في بدايات وعيي، دخل الـDish إلى بيتنا. طبقٌ أبيضُ كبير يُوضع على السطح، ويوصلُ إلى جهازٍ بحجم دُرجٍ واسع تحت التلفزيون، ويسمح لصاحبه بمشاهدة ما يزيد عن عشرين قناة عربية، إضافة إلى “القمر الأوروبيّ” وهذا له حكايةٌ سأصل إليها تالياً…
كنت طالباً في نهاية المرحلة الإعدادية، حين بدأت أتفتّح على الجنس ومفاهيمه.
صارت الغريزة أكثر إلحاحاً، وكان لا بدّ من إشباعها بطريقة ما. البداية كانت من مجلّات البورن الّتي كنّا نستأجرها بـ”15 ليرة سورية” لليوم الواحد.
نقلّب صفحاتها طوال الليل، ونتأمّل العارضات العاريات، محاولين تخزين الصور في ذواكرنا ما استطعنا.
تالياً، بدأت صور “البورن موديلز” تنتشر على بسطات في الأسواق الشعبية، وكانت الصور مسعّرة حسب القياس، ودرجة العُريّ، وهوية العارضة.

نحن فقط، من شاهدنا الكون يتقزّم إلى حجم شاشة، وأُجبرنا على جعل عواطفنا تتقزّم معه

فصورةٌ صغيرةٌ نصف عارية لعارضة غير مشهورة، كان ثمنها 15 ليرة سورية. أمّا الصورة الكبيرة التي تخصّ نجمة غناءٍ عربية، جرت تعريتها على الفوتوشوب، فسعرها يزيد عن خمسين ليرة (أتعاب مُصمّمي الفوتوشوب كانت محفوظة على ما يبدو).
كنّا، أولاد جيلي وأنا، نشتري هذه الصور ونُخبّئها في أماكن آمنة كي نطلّ عليها بينَ حينٍ وحين.
حين ركبّنا الـ”ديجيتال ستالايت”، فهمت لماذا كان أصدقائي يقولون عن القمر الأوروبيّ “فاضح صاحبه”. فالانتقال إلى قنوات البورن كان يحتاج إلى جهازٍ يُدعى “الدوّار” يقوم بـ”تدوير” الطبق على السطح باتجاه الغرب لالتقاط الإشارة، وكان هذا الانتقال يصدر صوتاً يسمعه البناء كلّه ليلاً، فتنتشر الفضيحة.
بالمجلّات المُستأجرة أو بالصور المباعة على البسطات أو عن طريق الـ”ديجيتال” الّذي يفضح صاحبه، كان التعامل مع “المحتوى الإباحي” يحتاج إلى شجاعة ومخاطرة بدرجة ما. هذا كلّه تلاشى حين دخلنا عصر “الإنترنت”.
كانت فكرة أن تجول العالم من خلف جهاز الكومبيوتر مدهشة للغاية. لا أريد أن أحصر موضوع المدوّنة بالحديث عن الجنس، لكنّ إجراء مقارنة بينَ بدائية الأساليب الأولى، وبين سهولة وسرعة وسلاسة تصفّح “البورن” عبر الانترنت، يمكن أن تشرح حجم التحوّل الّذي مرّ به جيلنا.
تالياً، ظهر الموبايل، ثمّ تطوّر وانتقلنا من جهازٍ يسمح لنا بإجراء المكالمات واستقبال الرسائل، إلى آخر يسمح لنا باللعب والتعامل مع الميديا من الصورة إلى الصوت والفيديو وحتّى الألعاب.
ثم جاء عصر الـ”سمارت فون” وتطبيقاته الّتي خدمت زوبعة “السوشل الميديا”.
يخطر في بالي، أحياناً، وأنا أفكّر فينا، نحنُ جيل الثمانينيات، أن أسأل نفسي “كم تشوّهنا؟”.
أرسم سلسلة التحوّلات أمامي:
هاتف أرضي – لاسلكي – لاقط هوائي – Dish – ديجيتال – إنترنت – موبايل – سمارت فون – سوشل ميديا.
أتأمّلها وأفكّر في الجهد القسريّ الذي بذلناه لنتعامل مع هذه “الصدمات التقنية” كلها.
نحن جيلٌ ذو خصوصية لم ولن يشهدها العالم ربّما. جيل أواخر التسعينيات مثلاً، فتح عينيه على الإنترنت، أمّا جيل الألفينات، فقد وُلد وفي يده موبايل.
نحن، نحن فقط، من شاهدنا الكون يتقزّم إلى حجم شاشة، وأُجبرنا على جعل عواطفنا تتقزّم معه، ووجدنا أنفسنا نحتوي فطرتنا ونضغطها ونُعلّبها بما يتناسب مع “العصر الجديد والعصر الأكثر جدّة والعصر الأكثر أكثر جدّة”.. وهكذا.
في بعضِ الأحيان، أحسد جيلي على ذاكرته الدافئة، وفي أحيان أخرى أحسد الجيل الّذي لم يُشكّل هذه الذاكرة، فالذين لا ذاكرة دافئة لديهم، لا يُثقلهم الحنين…
لطالما قلت إنّ “الحنين” كلمة ذات موسيقى جميلة، لكنّها لا تبدّل حقيقة أنّ “الحنين ثقيل”.