في الحرب، تحت رحمة الموت الذي لم يكن ليتوقّف أو يستريح على مدى الأربع والعشرين ساعة، أيّ معنى يصبح للكتابة وأيّ مقصد؟

بين سقوط قذيفة وانفجار صاروخ، بين صرخة طفل مرتعبة وعويل ثكلى، بين نعيٍ وآخر، بين تفجير شارع وانهيار مبانٍ بأهلها، بين انغلاق أبواب المدارس وانفتاحها، بين ثبات المشافي وانهيارها، وتأمين أسباب البقاء فحسب، تتشرذم الكتابة، تتأجّل، وتتوقّف أحياناً كثيرة. هنا، تنتفي أسئلة الوجود لتفترسها وقائع الخراب اليوميّة!

بين مسوّدة كتابةٍ وأخرى تنتظر، تحاول أن تستقوى بضآلة حجم بلواك قياساً ببلاء الآخرين الجحيمي، لكنك لا تسلم من آلام حريقه التي لا تحتمل. تلك مداراة ليست أكثر من سوء تكيّف! فلا يبق أمامك، في الوقت الشحيح المتاح، غير العودة إلى الكتابة، شغلك المعتاد. تحاول ولو واهماً أنّ تستجدي منها تكيّفاً ما، تكيّفاً قد يحفظ توازنك المتزعزع ويبقيك واقفاً، قدر المستطاع!

اليوم، وقد انزاحت الحرب عن دمشق وأطرافها، وتقوقع أعظمها في الأطراف الشماليّة، وجثم عند الفرات وفي سحيق أعماقنا المرهقة، تنتبه إلى أنّ الكتابة فقدت قدرتها على بعث المتعة، إحدى مزاياها قبل الحرب! لكنها لا تنفكّ تحدث رغم ذلك، وسط التعب الخانق والظلام الذي يسدّ الآفاق. هنا، تتحوّل الكتابة إلى وسيلة للهروب إلى الأمام، نجرجر عجزنا المخزي في طريق طويل نتطلّع في آخره إلى قتل إحساسنا بالذنب. ولكن، ما الذي اقترفناه، نحن الشعب البائس الأعزل، لنحيا مثل هذا الفتك الوحشيّ المهول؟

حين كانت الصواريخ والقذائف تهطل في كلّ حدب وصوب، كنت أخرج في أغلب المساءات إلى الشوارع والأزقّة المعتمة، أجوبها على غير هدىً، بانتظار عودة الكهرباء، واسترجاع انتظام أنفاسي، ثمّ التفكير بسبيل أكثر كفاءة للتكيّف.

في تلك الشوارع والأزقّة، كانت تحدث كتابة ما، تتسطّر مع ضربات الخراب، على جزء صغير، من خريطة الوطن الممزّقة.

وحين كنت أبقى في البيت، كانت الكتابة تنكتب أيضاً. وكان يحدث، بعد نوم لا يني يقطّعه تسارع المستجدّات الدمويّة والكوابيس، أن أستيقظ صباحاً، لأُباغَتَ بي ما أزال على قيد الحياة، ما يرغمني على البحث كارهةً عن وسيلة جديدة للتكيّف.

في أحد صباحات سنة ٢٠١٧، عزمت على كتابة قصّة جديدة. ففاجأني، على سطح حاسوبي نصٌّ غريب، انسلّ إليه خلسة، لا أعرف متى، ولا من كتبه. نكشت ذاكرتي المتخمة بالحطام الرهيب والموت الكثيف، فلم ألق ما يذكّرني بهذا النص:

“في الحيّ، هذا المساء، مدّدت العتمة إقامتها بصفاقة محتلٍّ. فالكهرباء ولّت الأدبار باكراً، ظهيرة هذا اليوم، ولم تعد بعد. يتجاوز الوقت منتصف الليل بقليل. أحاول أن أتكيّف ما وسعني بعد خواء شاحن الإنارة وقبل حضور العتمة. ليس لديّ سوى شمعة واحدة. ازدحم النهار بقتلانا، فنسيت شراء شموع إضافيّة. لا إنترنت. حسنٌ، لا مشكلة. ثمّة بقيّة شحن في حاسوبي، وصفحة بيضاء تنتظر. فلأسارع لكتابة القصّة التي تشغلني منذ مدّة، وقد أعجزتني قسوة اليوميّات عن كتابتها.

فجأة، يمزّق السكون عواءٌ يتطاول، عواء حقيقيّ لذئب. الآن فقط، ينبثق من ذاكرتي ما سمعته بين الناس: “لقد جاءت الجثث بالذئاب إلى المدينة”

على ضوء الشمعة، تخذلني مفاتيح الكيبورد. تتقافز الحروف لتُخطِّيء اللغة. يترنّح فتيل الشمعة التي يتآكلها، بِشراهةٍ، غشُّ الصنعة فتسقط أفكاري في قاع التوتّر.

فجأة، أجفل لارتجاج الأبواب والنوافذ والجدران. لكنّني لا أسمع أيّ هدير للطائرات أو لصواريخها أو براميلها المتفجّرة ولا انفجاراً للقذائف العشوائيّة. فأترقّب، والخوف يدكّ صبري.

بغتة، أشعر أنّ هواء خفيفاً يتحرّك حولي، فتشهق الشمعة نَفَسَها الأخير. نور الشاشة وحده يضيئ الآن مساحة ضئيلة أمامي. ألمح شيئاً ما في العتمة، خلف الطاولة. أكاد أميّز ما يشبه العمود يتمايل بهدوء. لا أجرؤ أن أنقّل بصري، أجمّده في الصفحة المخربطة على الشاشة. أهو شبح؟ السطور تعلو وتنخفض. والكلمات تبدو مثل حشرات متلاصقة تزحف كثيفة. لكنّني ألمحه، شبح نحيل، يتّخذ في الظلام حيّزاً بارزاً. أخاله يرتدي عباءة تطمس العتمة لونها. شبح طويل، أقدّر أنّ رأسه يلامس سقف الغرفة. بوضوح، أسمع أنفاسه رتيبةً. يصطك بعضي ببعضي. أحاول إنكار وجوده. فأنا لا أؤمن بوجود الأشباح. أحاول متابعة الكتابة. تخذلني مفاتيح الكيبورد غير آبهة بارتباك السطور أو بعجزي عن ترتيب أفكاري. وفي رأسي، تتبخّر القصّة وتتلاشى. يرجفني الرعب.

يدنو الشبح أكثر. يلتصق بي. تلفح أنفاسه وجهي. وسريعاً تنحشر في أذني. يستكين، لثوانٍ تمرّ ببطء مريع. بغتة، ينفخ في أذني ثمّ يدلق غباراً وتراباً، حطاماً، أيدٍ وأقداماً، صراخاً، وأنيناً، أصواتاً متشابكة لأطفال ونساء، لرجال وعجائز. أشعر بانسكاب لزوجة حارّة. رائحة دماء تزكم أنفي. تنصعق أذني، تكاد تنخلع. يشتدّ اصطكاكي بعضي ببعضي، ألمي والهلع. الآن، يكفّ الشبح عن دلق ما يدلقه في أذني. وعلى الشاشة أمامي، يظهر التحذير، سبع دقائق وينفد شحن البطاريّة.

فجأة، يمزّق السكون عواءٌ يتطاول، عواء حقيقيّ لذئب. الذئاب التي لم تكن تعرف طريقاً إلى مدننا، قبل هذه الحرب. الآن فقط، ينبثق من ذاكرتي ما سمعته بين الناس: “لقد جاءت الجثث بالذئاب إلى المدينة”. ومما همسوا به همساً، كي لا يسمع الأطفال: “في منتصف كلّ ليلة، من الأصقاع المدمّاة كلّها، يأتينا الموتى القتلى على ظهور الذئاب، ويجوبون الحارات والأزقّة”. لم أهتمّ لذلك أو أصدّقه، ليقيني أنّ الحرب لا تجلب معها سوى الموت والدمار!

بغتة تعلو نبحة كلب. نبحة يتيمة واهنة، وحدها قوّة السكون من يرفعها بين الأبنية في الفضاء المعتم. يليها عواء ذئبيّ طويل ثم يتوقّف. هل ابتلع الذئبُ الكلب؟ يشتدّ ارتعاد الشبح، وارتعادي! الآن فقط، أنتبه لبرودة الشبح الشديدة. يا إلهي! أتراه أحد الذين يأتوننا في منتصف كلّ ليلة على…

يا للظلام الفاجر! تنطفيء شاشة الكمبيوتر. ينسدّ طريق الصراخ أمام حنجرتي المتيبّسة. وفي الظلام السحيق، أغوص، أغوص، أغوص…”

 
×