تقذفنا الجامعة إلى خارجها في المرة الأولى، إلى ما أطلقت عليه صفة “المجهول” سابقًا، ولا أعتقدُ أنّ هذه الصفة سقطت بعد عامين. كانت، وما زالت،- “رحلة بحثٍ في التفكير والمادّة”، ورحلة البحث لن تنتهي.
تكون سنوات الدراسة الأولى أسرع من أن نموضع أنفسنا في صفوف النزاع مع النظام وتجلّيه الكبير في الأكاديميا. سرعة الإيقاع الذي يفرضها النظام على أجسادنا وفكرنا ـ في المركز أكثر منها في القرى ـ تحوّل أنظارنا عن أيّ صراعات داخليّة ضمن النظام التعليميّ. ورغم ذلك، لا خيار لدينا في الخروج من دائرة الصراعات مع النظام في العائلة، والعمل، والجامعة، والمجتمع، إلّا بالانصهار معه وتبنّيه فكريّا وعمليّا، ونحن ما زلنا نرفض الاعتراف بهذا. وهنا تكمن مشكلتنا وخلاصنا الوحيد في آن.
أتّفق وصديقي أنّ لا معنى لأيّ شيء نقوم به أو يحيط بنا، ونعلم ضمنيّا أنّ لا مهرب من كلّ ذلك ما دمنا على قيد الحياة، “لأنّ الموت يخطئنا” أو لأنّنا نخاف الذهاب إليه، أو بكلّ بساطة وتعقيد: نريد أن نحيا ونريدُ معنى، أيّ معنى لهذه الحياة.
بعد التخرّج الأوّل، والتخبّط المتكرّر في البحث عن عمل والرضوخ لشروطه وشروط رأسماله وماله، وفي البحث عن مسار لمستقبل، علينا أن نختار مجبرين بين متابعة الخضوع لسلطة مدير وعمل (لن يعجبنا في معظم الأوقات)، أو بين العودة إلى متابعة مسيرة أكاديميّة، أو الاثنين معًا في حالة معظمنا (وهذا ليس خيارًا حتما).
تظهرُ الأكاديميا، كأيّ عمل آخر، خيارًا شخصيّا. وأيّ خيارٍ هو الذي لا خيار غيره؟! الأكاديميا بجوهرها، أو كما قولبها النظام الرأسماليّ وبالتالي نظامها الخاصّ، نخبويّة بامتياز. يبدأ وعينا لهذه النخبويّة–بشكلٍ عمليّ- في الدراسات العليا ومن بعدها في الدكتوراه إلى حين الانخراط فيها بشكل أساسيّ تعليمًا أو أبحاثًا. وفي حين كانت “النخبة” إحدى الأطراف التي نحاول وأصدقائي أن نبعد عنها ـ وهي أصلا بعيدة ـ فقد وجدتُ نفسي أختار مسارًا تنطلق هذه “النخبة” منه أساسًا.
في خضم احتكاكي في المجتمع “الواقعي” والافتراضي، تعرّفتُ إلى مجموعات من “المثقفين” والمنظرين والنخبويين، حاولت جاهدًا ألا أنخرط فيها، وعدتُ إلى صرحٍ يجمعني بها، ومهمّته الأساسيّة المفروضة عليه هي أن يخرّجني منه لأكون جزءًا من هذه المجموعات، وأتمنّى ألا يحصل هذا. ويزيد الخوفَ سؤالٌ-وهو ليسَ سؤالي فقط: كيف أهربُ من نخبويّة اخترتها بإرادتي (وأيّ خيار)؟

أختارُ أبحاثًا لا تبعدني عن بيئة قدمتُ منها، وعن قرى أنتمي إليها، ولا تقصي السؤال الطبقيّ، وأفكّر في أبحاثٍ أستغلُّ من خلالها النظامَ ما استطعتُ لأعمل ضدّه

أخافُ أن أغرق في دوّامة تدعى الأكاديميا أراها تقفُ أمامي وتحاول تصوير مستقبلي غير الواضح. وتتوالى الأسئلة-المخاوف الذاتية والعامّة: هل ستبعدني الأكاديميا عن شارعٍ عاهدته (بيني وبين نفسي) ألّا أتركه إن دعاني يوما؟ وهل ستجيب هذه الأكاديميا عن أسئلة المعنى والوجود، أسئلتنا أنا وأصدقائي؟ وهل سأجدُ فيها الجماليّة التي تخيّلتها كامنة في تفاصيلَ أصغر؟
سؤال الأكاديميا ونخبويّتها، إن أردنا طرحه ومواجهته، يضعنا في أساس المعركة مع النظام، وفي أساس معركتنا مع جدوى ما نفعله في ظلّ تخبّط بات حتميًّا. نتقيّدُ بنظام داخليٍّ يضعنا في مبانٍ مع زملاء النخبة، ننظّرُ منها على الخارج-الشارع، وفي الصفوف، وفي أوراقنا البحثيّة. نعيشُ في حجرة ـ على اتّساعها ـ ضيّقة من حيث تحديد المسارات التي تفرضها علينا، ونجدُ أنفسنا ننتقي مواضيع لنعالجها لن يقرأها سوى قلّة من النخبة ذاتها، ولن تجيب عن أيّ سؤالٍ خارج إطار البحث الضيّق، وسنستعملها لاحقا منظّرين في ندوات واجتماعات. وهل من مشكلة في هذا؟ نعم.
أعي من بداية الطريق أنّ النخبويّة حتميّة، وإن وضعتها في إطار سؤال “وجوديّ” حاضرًا ومستقبلًا. إنّه تحدٍّ يأسرني، كما غيري، لذا، أتنبّه إلى “نخبويّة” الزملاء وأحاول أن أتعلّم من “كيس غيري” فلا أقلّد من كنت، ولا زلت، أتجنبّ معظمهم. أصارع للتفكير بمخرجٍ من هنا ومن هناك، فلا أنظّر على الطلّاب من موقع فوقيّ أو “أعلمّهم أن يفكّروا” إن قرّرت اختيار مسيرة التعليم. أختارُ تلقائيًا أبحاثًا لا تبعدني وإن فكريّا عن بيئة قدمتُ منها، وعن قرى أنتمي إليها (وإن لم تتعلّق بموضوع البحث)، وأبحاثًا لا تقصي السؤال الطبقيّ.
أفكّر في أبحاثٍ أستغلُّ من خلالها النظامَ ما استطعتُ لأعمل ضدّه. وهل هذا أملٌ كنتُ أصبّر به نفسي، أم أنّه كذبة-أحاول من خلالها تجميل انخراطي المفروض في إحدى أشكال النظام المستغِلّ؟ هل ستجدي نفعا أبحاثي “الهاربة” من نخبويّة الأكاديميّة في تغيير أي شيء٬ ما دامت في أوراقٍ تقرأ في تلك الحجرات الضيّقة، خلف جدران حقيقيّة ووهميّة، لا تحتكُّ مع من وما عاهدتهم ضمنيّا ألّا أنفصل عنهم، ما دمنا شركاء نتقاسم الأسئلة والآلام ذاتها؟ هل سيمكنني أن أحتال فعلا على النظام فأهرب من نخبويّة أجبرني، بطريقة أو أخرى، أن أختارها طوعيّا؟

 
×