جالسة على ركبتي. وجهي إلى الحائط. عيناي معصوبتان. يداي مقيدتان خلف ظهري. بهذه الوضعية كان عناصر الأمن يقومون باستجوابي.

سألني أحدهم عن هاتفي الجوال بعدما فتش عنه في حقيبتي ولم يجده. قلت له إنه وقع مني أثناء سحبهم إيّاي في الشارع. لم أكد أكمل جملتي حتى رفس ظهري رفسة جعلت فقرات ظهري تطقطق واحدة تلو الأخرى كمقطوعة موسيقية.

سألني من ثمَّ عن بعض الأسماء. أجبته أنني لا أعرف أصحابها. وكنت موقنة أنه مهما تكن إجابتي فسوف أتلقى رفسة أخرى. لكنه خيّب ظني ولم يرفس، بل شعرت بحرارة تقترب من وجهي حتى بدأت شفتاي تحترقان، في حين أمسك أحدهم برأسي كي لا أتحرك.

قال: سوف تعرفين عاجلاً أم آجلاً.

بعد جولة التعذيب تلك، أخذ العناصر استراحة ووهبوني بعض الهدوء. كانت شفتاي تؤلمانني بشدة وأنا ألعقهما لتخفيف حرارتهما.

صوت خطوات مسرعة تهبط الدرج وتقترب مني. جولة تعذيب أخرى قادمة، خطر لي.

لكن يد أحدهم أمسكت بذراعي وشدتني للأعلى: قفي.

وقفت، ثم مشيت معه بضع أمتار قبل أن يتوقف ويتركني ليحضر كرسياً: اجلسي.

ولم يلبث أن فاجأني بسؤاله: هل أنت مرتاحة؟

أجبت بسرعة ومن دون تفكير: لا.

لم يتردد أيضاً بسؤالي: لماذا؟!

قلت: فك يديّ، وأزل العصبة عن عيني، واسمح لي أن أكلمك وجهاً لوجه.

لم أكن أتوقع أنه سيستجيب لطلبي، لكن ظني خاب مرة أخرى. سمعت خطواته وشعرت به يقترب. فك يديّ أولاً ثم أزال العصبة عن عيني.

استغرقت لحظات قبل أن أتمكن من الرؤية بشكل واضح. في هذه الأثناء كان قد عاد وجلس قبالتي خلف مكتبه. رجل ستيني، يرتدي سروالاً أسود وقميصاً رمادياً، ويبدو أنه صبغ شعره بالأسود مؤخراً. كنت أحدق في بقايا لون الصبغة على جبينه عندما سألني عن اسمي، اسم عائلتي، دراستي، عمري وبقية بيانات هويتي، ثم اقتادني إلى مكتب ضابط آخر يبدو أنه أعلى رتبة وأصغر عمراً منه.

بدا ما كان يحدث غريباً، إذ لم أفهم لماذا تغير سلوكهم فجأة.

استجوبني الضابط “المهم” لساعات من دون أي عنف. وعلمت منه خلال الاستجواب أن خبر اعتقالي وصل بعثة الأمم المتحدة، وأنهم تدخلوا لإطلاق سراحي، إذ كان اعتقالي قد تم بعد خروجي من مكتب البعثة مباشرة. ويبدو أن ذلك كان مبرراً كافياً لتبدّل سلوكهم.

حين فرغ الضابط من استجوابي، قال: سوف تخرُجين الليلة، نحن لم نقصد اعتقالك، إياك أن تخرجي وتقولي للإعلام أنك كنت معتقلة، أنت هنا في زيارة فحسب، اعتبرينا جيرانك وقدمنا لك دعوة لشرب قهوة معنا.

هززت رأسي بصمت، فنادى أحد العناصر الموجودين على باب مكتبه وقال له: خذها لاستلام أغراضها وأطلقوا سراحها فوراً.

اقتادني العنصر إلى غرفة الضابط الذي التقيته من قبل. كان قد وضع أغراضي على مكتبه وفي يده نسخة وجدها في حقيبتي من كتابي الذي كتبته للأطفال.

قال لي إنه قرأ بضع صفحات من الكتاب وأنه أعجب به، ويود أن يحتفظ به لإعطائه لحفيده.

قلت له باقتضاب: حسنٌ، خذه.

لكنه لم يكتف بأخذ الكتاب، قال: اكتبي إهداءً.

جمدت في مكاني، شعرت فجأة أن صخرة هوت على رأسي. ماذا أكتب للضابط الذي اعتقلني وأشرف على تعذيبي: “بكل الحب”، “إلى رجل الأمن الذي عذبني، بإخلاص”، أم ربما “إلى أن نلتقي”؟

انتبه الضابط إلى ارتباكي، فمد لي يده بالكتاب وقلم قائلاً: اكتبي.

أخذت القلم والكتاب من يده، وكتبت على الصفحة الأولى “سنموت جميعنا، وسوف تحيا سوريا”.

تركته يقرأ عبارتي تلك، وخرجت برفقة العنصر الذي قادني إلى خارج فرع الأمن وتركني وسط المدينة. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، المحلات جميعها مغلقة، لا سيارة في الشارع ولا أحد سواي، وأصوات الحرب تأتي من بعيد.

 
×