أقف على الحدود السورية اللبنانية وأتمتم بالمعوذات جميعاً وآية الكرسي، ولا أنسى اسماً واحداً من أسماء الله الحسنى. يخرج السائق وبيده جوازات السفر فأتنهد: لقد نجوت!

ما إن نتجاوز الحدود السورية بأمتار قليلة، في المعبر الواصل بينها وبين الحدود اللبنانية، حتى أشعر بخفّة الطير وأدرب صوتي المخنوق منذ الأبد على الارتفاع تدريجاً.

تقول شجرة العائلة إنَّ أصولنا تعود إلى لبنان. وتقول بطاقة جدّي لأبي الشخصية إنّه من مواليد طرابلس. بل إنَّ لأبي أبناء عمومة يتمتعون بالجنسية اللبنانية التي كانت مثار غيرة لدى شباب العائلة، لأنَّ سنوات خدمة العلم في لبنان أقلّ منها في سوريا. وكان جدّي يقصد طرابلس لرؤية الأطباء والتبضّع. وأقام عمّي فيها سنوات قبل أن تندلع الحرب الأهلية اللبنانية ويعود مع أولاده بشعورهم الشقراء وعيونهم الزرقاء ولهجتهم اللبنانية وربطات عنقهم، من أصغر واحد فيهم وصولاً إلى عمي، فيما ترتدي زوجة عمي الميني جوب، لتغدو عائلة عمي هذه مثار غيرتنا جميعاً.

لم تكن ثمة حدود فاصلة كتيمة وقتئذ، ولم يكن التاريخ قد قسم سوريا إلى دويلات، ولم تكن قد فرضت بعد غرامة الـ100 دولار على العائدين إلى بلادهم.

العاشر من آب 2000:

أدخل المكتبة لشراء جريدة “السفير” التي كانت تصل اللاذقية بعد يوم من صدورها. أتصفح الجريدة بسرعة وصولاً إلى “الملحق الثقافي”. أرى قصائدي منشورة تحت اسم آخر. يكاد يُغمى عليّ من هول الصدمة: هذه أوّل مرة أنشر في صحيفة، فيصدر ما كتبت موقعاً باسم آخر؟! يا للكارثة! أتصل بالجريدة، فيخبرونني أنَّ اسمي سقط سهواً ووُضِع اسم شاعر بدلاً منه.

ظلّ فرحي بنشر نصوصي يسابق ألمي لما حصل، على الرغم من اعتذار الجريدة في اليوم التالي.

الخامس والعشرون من شباط 2012:

تلك زيارتي الأولى لبيروت، ضمن فعاليات ورشة شعر سورية دنماركية. اختاروا بيروت بدلاً من دمشق، حيث كان حمام الدم السوري في أوله.

أكتشف عند الحدود أنّ تأشيرة خروجي قد انتهت صلاحيتها. أراجع الضابط المسؤول علّ وعسى، فيطالبني بالعودة من حيث أتيت، لكنّ عنصراً شاباً يسألني وأنا خارجة من مكتب الضابط عن سبب زيارتي، فأقول له إني شاعرة وعليّ أن أكون اليوم في بيروت. لا أعلم ما الذي دفعه لأن يتعاطف معي ويسمح لي بالخروج بورقة ليست صحيحة، طالباً مني أن أعود من المعبر ذاته مع السائق نفسه يوم الأحد الذي هو يوم مناوبته. شكرته كثيراً، عرضت عليه مالاً، لكنه رفض.

تلك هي بيروت، على بعد ساعة ونصف. بيروت التي خرجت من الحرب الأهلية وتضجّ بالشعر والثقافة والحرية.

ها هي بيروت التي أنا الآن فيها، في شارع الحمرا على وجه التحديد، أتمتم مع خالد الهبر “خدني معك وديني ع شارع الحمرا، خدني معك تحلالي بالحمرا السكرة، اشرب كاس المحبة بشي قهوة على الرصيف، أحكي عن القصايد ما أملك حق رغيف، أنظم شعر لعيون البنت الحلوة السمرا…”.

تضجّ وسائل التواصل الاجتماعي باعتقالات جديدة تطال قريبين مني، فيبادرني اتصال من الأهل: اليوم هم وغداً أنتِ!

ها هي بيروت بجغرافيتها وشحمها ولحمها ودمها، بعد أن عرفت كلّ ذلك من أخبار الحرب الأهلية ومن الكتب فحسب، من جبل الياس خوري الصغير إلى حجر ضحك هدى بركات.

لطالما حسدت بيروت وحزنت على دمشق: بيروت فيروز والأخوين رحباني، بطرس البستاني، أحمد فارس الشدياق، فيلمون وهبي، أنسي الحاج، عباس بيضون؛ بيروت المقاهي والصحف والمجلات؛ بيروت المفتوحة على مصراعيها للحب والسكر والجنون والحرب والمقاومة. بيروت التي بقيت في حرب أهلية خمساً وعشرين سنة ثم قامت كزهرة لوز في نيسان، كما أنشد لها نزار قباني. بيروت تفاحة محمود درويش، أمّا دمشق فأقفلت بابها على الاستبداد ولم تستيقظ إلا على صيحة “الله … سوريا… حرية وبس”، لتدفع ثمن هذه الصيحة مئات الآلاف من القتلى والمعتقلين وملايين المهجرين ومدناً مدمرة ومنكوبة.

تمضي الأيام الشعرية، لتضجّ وسائل التواصل الاجتماعي في اليوم السابق لعودتي باعتقالات جديدة تطال قريبين مني. يبادرني اتصال من الأهل: اليوم هم وغداً أنتِ!

لم أنم يومها، كان علي أن أعود في الغد على نحو ما أوصاني العنصر على الحدود. وعدتُ. عدت إلى دمشق، عند شقيقتي. تقول لي: “ابقي هنا، لا تذهبي إلى القرية”؛ لكنها تستطرد قائلة: “لقد عبرت الحدود اليوم؛ لو كانوا يريدون اعتقالك لفعلوا”. لا أجرؤ على إخبارها بأنّي اجتزت الحدود بطريقة غير شرعية. أبقى طيلة الأيام التي تلت أترقّب وصول زوار الفجر والظهر والعشاء. شعور يملأ مسامي بأني متهمة لا أعرف بماذا، اللهم ما خلا كتابة بضع كلمات على “فيسبوك” لعلّها توهن نفسية الأمّة وتضعف الشعور القومي وتعرقل البناء الاشتراكي الضارب أطنابه.

كان بوسعي أن أبقى في لبنان، شأني شأن كثيرين من أصدقائي الذين تفادوا الاعتقال أو الموت أو غادروا لمجرد أنهم أرادوا المغادرة، وها هم يسدّون عين الشمس في مقاهي شارع الحمرا. غير أنّي عدت.

الرابع من آب 2020:

أستيقظ هلعة من قيلولة بعد الظهر على صوت يصرخ: انفجار في بيروت!

أول سؤال يتبادر إلى ذهني: هل أصاب مكروه أصدقائي؟

ما من معلومات بعد عن حجم الانفجار وآثاره، أتفقد الأصدقاء الفعليين واحداً تلو الآخر، ثم أتصل بأصدقاء افتراضيين، لأرتجف في كلّ مرة يغيب أحد عن السمع أو يتأخر في الإجابة. أردتُ أن أحتضن الجميع وأبقيهم بخير، أردتُ أن احتضن بيروت التي احتضنت أشعاري وكتبي ومقالاتي وأبقيها بخير.

أطالع صور الانفجار فأرى عناصر الإطفاء وقد تطايروا مثل عصافير في سماء بيروت، ثم أرى حمامة قتلها الانفجار ملقاة على الرصيف.

سلامتك، يا بيروت. تضيق بنا الأرض، تحشرنا في الممر الأخير. بيروت المحطة الآمنة، الضوء في آخر نفق الشرق البائس، فإلى أين نذهب بعد الحدود الأخيرة؟ أين تطير العصافير بعد السماء الأخيرة؟ أين تنام النباتات بعد الهواء الأخير؟

إننا نختنق…

جميع العابرين عبروا…

بيروت حمامة ذبيحة.

“روح وحدك لا توديني ع شارع الحمرا

روح وحدك ما بتحلالي بالحمرا السكرة”.

 
×