(1)/ مخيّم دير مار جرجس (قرية المشتاية)
كنتُ في عاميَ الرابع عشر حين قالت لي إحداهنّ “شو مفكّر حالك دون جوان؟”. حدث ذلك في مخيّمٍ كنسيّ.
في ذلك المخيّم، شاهدت الشباب من حولي يلقون الدعابات ويسرقون ضحكات البنات ويقومون بكلّ ما يلزم للفت نظر هذه أو التقرّب من تلك.
أردت أن أدخل في “السيستيم”. لكنّني ثقيل الظل بدرجة ما، وغيرُ ماهرٍ في إنتاج الكوميديا، كما أنّني سيّء في الرّقص، ولستُ أملِك مفاتيح جذبٍ يعوّل عليها.
أضف إلى ذلك، أنّني لم أكن “ستايلش” على الإطلاق. ثيابي قديمةٌ وتسريحة شعري كلاسيكية ولديّ ميلانٌ محسوسٌ في أنفي وسماكة نظّاراتي تُثير الشفقة.
فكّرت في الأمرِ مليّاً، وأدركت، سريعاً، أنّ سقف طموحي يجب أن يكون واطئاً بدرجة ما، فالفتيات الجميلات “عليهنّ طلب” والزحام من حولهنّ على أشدّه.

حسناً، لا بأس بـ”ر.ت”. لطالما شاهدتها تجلس وحيدةً. هذي إشارةٌ معقولة إلى أنّ “الطريق إليها ربّما تكون سالكة”.
تدرّبت ألف مرة على جملة “مرحبا… أنا إسمي رامي… فيني أتعرّف عليكي؟”، وكنت في كلّ مرّة أُخمّن ردة فعل “ر.ت”:
“ستبتسم بخجل، وستهزّ رأسها ببطء، ثمّ ستُجلسني بجوارها فنحكي عن المخيّم ومن فيه، لننتقلَ، تالياً، إلى حديثٍ أكثر دفئاً”. هكذا تخيّلت الأمر.
تقدمت منها وقلت جملتي بكلّ ما أوتيت من لباقة وثبات “مرحبا.. أنا إسمي رامي… فيني أتعرّف عليكي؟”، فردّت “شو مفكّر حالك دون جوان؟” ونهضت وابتعدت.
وقفت وكأنّ على رأسي الطير. “من عساه يكون هذا الكلب دون جوان؟” قلت لنفسي.
وحين علمت من يكون دون جوان، أو دون خوان، أدركت أنّ “ر.ت” قد سخرت منّي.

 

(2)/ ثانوية الباسل للمتفوقين (حمص)
التحقت بثانوية الباسل للمتفوقين، وهي مدرسةٌ مختلطةٌ للبنات والصبيان، على عكس إعداديتيّ التي كانت مخصصة للذكور فقط.
بنات صفّي كنّ يتغزّلنَ بالشبّان في حضوري: هذا وسيمٌ للغاية، وذاك ابن عائلةٍ ثريّة جداً. فلان يبدو جذّاباً، وصديقه ذو عينين ذبّاحتين.
أردت أن أنافس..
“أنا لست دون جوان” ذكّرت نفسي، ثمّ بدأت أكذب.

لم أجد طريقة أخرى كي ألفت نظر البنات. تقرّبت من الشباب “اللي عليهن طلب” وصرت صديقهم، ثمّ بدأت أروي للبنات قصصاً مختلقةً تجمعني بالصبيان سابقي الذكر، ووجدت الصبايا يصغين إليّ باهتمام، فهنّ يردن معرفة تفاصيل التفاصيل عن فرسان المدرسة.
فرحتُ لكوني صرت قريباً منهن.
شيئاً فشيئاً، بدأ الكذب يتكشّف، فازداد الطين بلّة : “ما بكفّي ماني دون جوان… وكذّاب فوقها”.

ربّما لن أنجح، لكنّ الأكيدَ أنّني ممتنّ لها، فقد جعلتني أتحسس دفئاً ما، وتأكدت، بسببها، أنّني لم أستسلم للـ”كاتالوغ”، وما زلت قادراً على الحبّ حين أصادف ورداً مختلفاً

(3)/ مسلسليَ الأوّل (دمشق)
كنت أبلغ من العمر 23 عاماً حين عُرضَ مسلسلي الأوّل “القربان” على الفضائيات في شهر الصوم. انقلبت حياتي “فوقاني تحتاني” كما نقول بالشامية الدارجة.
صارت الصحف تكتب عنّي، وأصبحت التلفزيونات والإذاعات تتواصل معي لإجراء لقاءاتٍ ومقابلات.
تحوّلت، على غفلةٍ، إلى “شخصية عامة” بدرجة ما.
ثمّ بدأت أكتب الشعر الّذي تحوّل، على غفلةٍ أخرى، إلى أغنيات قدّمتني إلى جمهورٍ واسعٍ من الفتيات بلبوس “من أجلك أعتقت نسائي وتركت التاريخ ورائي… إلخ”.
صار “عليي طلب” ورحتُ أعوّض الخيبات الماضية كلها.
لكنّني لمّ أحبّ، فقد اعتدت على علاقاتٍ تنسخ بعضها من حيث البناء:
“فتاةٌ معجبة بما أكتب، نتقارب، نعبث معاً، ثمّ نتباعد، لتجيء أخرى معجبةٌ بما أكتب، نتقارب، نعبث معاً ثمّ نتباعد، وهكذا”..
“أنا لا أعرف كيف أقدّم نفسي لفتاةٍ تعجبني”. هذا ما ثبت لي مؤخّراً.

 

(4)/ مؤخّراً (دمشق)
مؤخّراً، أعجبتني…
أعجبتني، فارتبكت..
إنّها مختلفةً للغاية. هي ليست “معجبة بما أكتب، نتقارب، نعبث معاً، ثمّ نتباعد”.
هنا الآيات معكوسة. أنا المعجب، وأنا من يجب أن أبادر.
حين بادرت، بدوتُ مراهقاً للغاية. رحت أراسلها بكثافة، وبتُّ أتوتّر حين لا تجيب على الرسائل.
صرت أثرثر كلّما التقينا. أحاول أنّ أظهر كلّ ما لديّ من معرفة وفكرٍ ولباقةٍ وشياكة. أجرّب أن أقدّم أفضل نسخةٍ منّي، لكنّني كنت أقابَل، دائماً، بردود أفعالٍ مربكة.
هي تبتسم فقط، وتعلّق باقتضابٍ يستفزّني، فأجد نفسي أثرثر، مجدداً، لعلّ الحديث الجديد يعجبها، فأُعجِبها.

ربّما لن أنجح في استمالتها. أظنّ أنّني لن أنجح. ثقتي بنفسي في حدودها الدنيا. أقف قبالة المرآة فأشاهد فتىً ليس “ستايلش” على الإطلاق. ثيابه قديمة وتسريحة شعره كلاسيكية ولديه ميلانٌ محسوسٌ في أنفه وسماكة نظارلته تثير الشفقة، ثمّ اتذكر أنّني “لست دون جوان”..

ربّما لن أنجح. لكنّ الأكيدَ أنّني ممتنّ لها، فقد جعلتني أتحسس دفئاً ما، وتأكدت، بسببها، أنّني لم أستسلم للـ”كاتالوغ” وما زلت قادراً على الحبّ حين أصادف ورداً مختلفاً..

“أنا لستُ دون جوان”… لكنّني قادرٌ على الحبّ”.

 
×