طنينٌ رهيب وأجراسٌ نحاسية هائلة تقرعُ في أذنيّ.

لا شكّ أن السبب هو كارلوس زاڨون ورواياته القوطية العجيبة المُحتشدة بالكاتدرائيات والأصوات الغامضة والأحداث الغرائبية! ألومُ نفسي، متى أتوقّفُ عن هذه الطريقة الانغماسية في القراءة؟! متى أحافظُ على مسافة أمان بيني وبين النص فلا أقعُ كالخرقاء بين يديه! متى أكفُّ عن حشر نفسي بين صفحات الرواية التي أقرؤها وكأنها منزلي الذي أقضي فيه ليالي القراءة وأيامها؟ متى أتعلّم كيف أحبسُ الشخصيات بإغلاق دفتيّ الكتاب عليها بدل تركها تتسلل إلى حياتي؟ متى أكفُّ عن انتظارها على فنجان قهوة! أو عن الاعتقاد بأنني ذاهبةٌ للقاءِ إحداها كلما تهيأتُ للخروج من البيت!

هل تذكرُ زيارتنا لمبنى البرلمان في العاصمة؟ وقفتُ أمام القصر المهيب الرابض فوق تلة، عرقلتُ الرحلةَ السياحية بنوبةِ ذعرٍ غير مفهومة: “قصر آلدايا! هذا قصرُ آلدايا! لا أريدُ الدخول. بينيلوب وابنها مدفونان هنا.. لن أدخل.. لن أدخل.” أَثرتُ دهشةَ الأصدقاء وسِبابَهم: “يا مجنونة، نحنُ آخر الزائرين المحظوظين هذا العام. بعدَ أيام، أجزاءٌ مهمة من هذا البناء الشهير ستُغلق للصيانة والترميم لمدة عشر سنوات. كفّي عن هلوساتك واستمتعي بالجولة.” لم أقتنع بكلامهم، وبقيتُ رافضةً وخائفة حتى همستَ لي: “حبيبتي، لايين كوبرت مات بقتله المحقق فوميرو. وقصر آلدايا، كما أكّد لنا دانيال، صار وكالة إعلانات. أما خوليان كاراكس يكتبُ الآن رواياته من باريس باسم مستعار. لا تخافي، اللعنةُ انتهتْ وصارتْ، هي الأخرى، ظِلاً للريح.”

طنينٌ رهيب وأجراسٌ نحاسية هائلة تقرعُ في أذنيّ.

أتذكّرُ فيرجينيا وولف؛ الكاتبة البريطانية الشهيرة التي عانت من انهياراتٍ عصبية متتالية في وقتٍ مبكّر من حياتها وانتهتْ بالانتحار غرقاً في نهر وهي في التاسعة والخمسين. كتبتْ في إحدى رسائلها الأخيرة لزوجها: “لن أشفى هذه المرّة، بدأتُ أسمع الأصوات ولا أستطيعُ التركيز، لا أستطيع المقاومة بعد الآن.” وكتبتْ مرّةً لطبيبتها: “ولكني لم أعطكِ أدنى فكرة عن الأمواج العالية المهولة التي تحملني إلى أعلى القمم ثم تهوي بي إلى وديان جهنمية سحيقة في غضون أيام.” رسائلُها معروفة ومنشورة في كتبها كمقدّمات وبمختلف اللغات. أبحاثٌ كثيرة حققها دارسون لأدبها وحياتها زادتْ في شهرة الرسائل وأهميتها.

لا يمكنني سماعُ الطنين، هذا صوتٌ داخلي، مثل نداء الكتابة، أُدرِكُهُ معكِ بقلبي

أتذكّرها، وأُحصي في ذهني رسائلَ مَن انتحروا جراء أمراضٍ نفسية مِن فنانين وكتّاب ومشاهير، ثم أتخيّلُ رسائلَ لآخرين فعلوها ولم نسمع بهم لأنهم غيرُ معروفين، وأخبارُ أمراضهم وجنونهم ورسائلهم لا تهمُّ أحداً. أحرّرُ في رأسي بدلاً عنهم عشرات الرسائل وأوزّعها على أُسَرٍ وأصدقاء وعشّاق متخيّلين، ثم أحرّرُ لهم ردوداً من ذويهم تطلبُ منهم البقاء وتبثُّ فيهم الأمل والقوة، وتعترفُ لهم بالحبّ والرغبة بإكمال الحياة معهم.

طنينٌ رهيب وأجراس نحاسية هائلة تقرعُ في أذني.

تستقصي الطبيبةُ داخلَ أذني بمنظارٍ صغيرٍ مضيء. ثم تطلبُ مني أن أثبّتَ رأسي وأتابعَ بنظري حركةَ إصبعِها النحيف أمام وجهي. تتفحصني بعينيها الآسيويتين الضيقتين ثم تمسكُ برقبتي وتضغط أسفل الفصّ القفوي وهي تسألني: “هل أنتِ عسراء؟”، “هل تقضين وقتاً طويلاً وراء مكتب؟”، “هل أنتِ متوترة؟”…. أكتفي بدمعتَين هادئتَين، طريقتي الأكثر استخداماً في الإجابة عن أي شيء، بينما تصفُ الطبيبةُ لي طريقةً للعلاج باليوغا والتأمل! يبلغُ ضيقي أَشُدَّه وأتمتم بانزعاج لا تلحظه طبيبتي: “je comprends, je comprends” وأكظمُ نفسي عن الصراخ بها: “أرجوكِ، حاولي أن تفهمي، أقولُ لك إن طنيناً رهيباً وأجراساً نحاسية هائلة تقرعُ في أذنيّ!!”

أستلقي بقربكَ على الفراش، تداعبُ جبيني ويديَّ بأصابعَ تقولُ لي: “أنا هنا، أنا معك”. أحاولُ أن أصفَ لك الصوت فلا أستطيع. يشتدُّ الطنين فجأة فأطلبُ منكَ أن تقتربَ لعلّكَ تسمعه. تُلصِقُ خدّكَ بخدّي وتلتقي أنفاسنا فأغمضُ عينيَّ ونصمتْ. بعد ثوانٍ، تُبعِدُ رأسكَ عنّي وتبتسم. أنظرُ إليكَ باستفهام فتجيبُ: “داخلي”.

تطرحُ نظرتي أسئلةً أكثر، فتشرحُ لي: “لا يمكنني سماعُ الطنين، هذا صوتٌ داخلي، مثل نداء الكتابة، أُدرِكُهُ معكِ بقلبي. تحدثينني عنه فأصدّقكِ وأؤمنُ بوجوده مثلك، لكنني لا أسمعه إلا من خلالك.”

أرتاحُ لتفسيرك وأغمضُ عينيّ مرّةً أخرى. أنزلقُ أكثرَ في السرير وأضمُّ ذراعكَ إلى صدري. أحاولُ أن أنام على الرغم من كلّ ما سبق وعلى الرغم من الطنين الرهيب والأجراس النحاسية الهائلة التي تقرعُ في أذنيّ.

المزيد من هذا المؤلف