(من ورشة لكتابة اللاجئات السوريات في ألمانيا)

بين هنا وهناك، رحلة محفوفة بالمخاطر، خضْتُها أملاً بالوصول إلى مكان آمن، يساعدني في تحقيق أحلامي.

لكنّ الأمان لم يكن الشرط الوحيد لتحقيق ما أحلم به.

عند وصولي لاجئة إلى ألمانيا، البلد الآمن، أرسلوني، مثل غيري من اللاجئين، إلى منطقة شبه نائية. شعرت أنّني في المنفى. وكأنّ من هم مثلي لا يحقّ لهم العيش في المدن، ولا يمكنهم تقرير مصيرهم!

في بلدي قرّرَتِ الحربُ أنه عليّ المغادرة. فغادرْتُ! وهنا قرّرَت السلطاتُ المختصّة أنه عليّ العيش في مكان حُدّدَ لي، وألّا أغادره. ففعلْتُ!

حاولْتُ التأقلم. لكنْ كيف؟ ومع منْ؟ فكلٌّ يريدني نسخة منه، بحجّة أنّه عليّ أن أندمج. وكلٌّ منهم يعرّف الاندماج على طريقته، حتى ضعت بين معانيه!

قالوا: الاندماج هو تعلّم اللغة. فتعلّمتُ لغتهم.

أنا أحبّ الآخرين، وأفضّلُ التفاعل معهم، لكنْ من دون أن أتدخّل في حياتهم أو أسلوب عيشهم، لأنّني لا أحبّ أن يقتحم أحد مساحتي الخاصّة، ويقيّد حريّتي

وقالوا: الاندماج هو احترام القانون. فعرفت قانون هذه البلاد واحترمته، مثلما احترمتها.

ثمّ قالوا: الاندماج هو احترام العادات الاجتماعية. حسناً، نحن أيضاً لدينا عاداتنا الاجتماعية ونحترمها.

في النهاية، وجدت نفسي أمام خيار واحد وهو أن أعيش على طريقتهم، وبأسلوب حياتهم نفسه، أستمع لموسيقاهم، آكل من طعامهم، وألبس على ذوقهم. والأهمّ بالنسبة إليهم هو أن أتخلّى عن حجابي لأنّه لا يروق لهم!

لكنّني لم أَرِدْ ذلك، فأنا لديّ أسلوب حياتي الخاصّ بي، سعيدة به ومرتاحة له. رفضْتُ قراراتهم، لأصبح فجأة غير مندمجة، ناكرة لجميلهم في استقبالهم لي لاجئة. وسرعان ما يُذاع الصيت عنّي على أنّني مريضة غير قابلة للاندماج أو التفاهم مع الآخرين، كلّ هذا لأنّني لا أساير ما لا يشبهني.

أنا أحبّ الآخرين، وأفضّلُ التفاعل معهم، لكنْ من دون أن أتدخّل في حياتهم أو أسلوب عيشهم، لأنّني لا أحبّ أن يقتحم أحد مساحتي الخاصّة، ويقيّد حريّتي.

كل ما أطالبُ به أنْ يتعاملوا معي كإنسانة مكافئة لهم. فكما لهم خصوصيّتهم التي أحترم، لي خصوصيّتي أيضاً!

 
×