“حتى كرشك حلو”،
“كلهن خبز إلا أنت شاورما”،
“هي ما قتلتني أنا متت فيّا”،
“غمازتك فرع آخر للنوتيلا”،
“خاينات ولو عبدوك”،
“استمر في الضحك ستموت قريباً”….

تكثر اليوم مثل هذه العبارات على أسوار مدارس اللاذقية وحدائقها العامة وعلى سور كورنيشها البحري وجسورها وأبوابها. عبارات تكاد تتناول موضوعاً واحداً، هو الحب وعلاقات الغرام.
“الغرافيتي” (Graffiti) كلمة مشتقة من الإيطالية (Graffio) وتعني النقش. والنقش فنٌّ عُرف منذ القدم، حيث وُجِدَت نقوشٌ على جدران الآثار الرومانية وعلى بقايا جدران حضارة المايا في أميركا الوسطى وعلى صخور إسبانية تعود إلى القرن السادس عشر الميلادي، كذلك الأمر لدى قدماء المصريين، إذ زيّن بها الفراعنة جدران معابدهم.
تطور الغرافيتي الحديث ذلك التطور الواسع في نيويورك ستينيات القرن الماضي إلى جانب موسيقى “الهيب هوب”، وكان تعبيراً عن سخط الشباب حيال الواقع الذي يعيشونه ورفضهم له.
وللغرافيتي أنواع عدّة: 1- فن عصابات الشوارع: حيث استخدمته عصابات انتشرت في لوس أنجلس وفيلادلفيا ونيويورك، وكان أشبه بوسيلة لتحديد مناطق سيطرة كل عصابة.
2- غرافيتي الفوضى: حيث يتمثّل الغرض بالتعبير عن الدوافع الشخصية، لا سيما لدى الشباب.
3- غرافيتي المعارضة السياسية: وهي كتابات تعبر عن السخط من أداء السياسيين أو للتعبير عن انتماء سياسي معين في بلد ما.
عادةً ما تُكتب عبارات الغرافيتي ورسومه من دون أخذ إذن صاحب المكان، فما يهم الشباب هو إيصال رسائلهم السياسية والاجتماعية. وللغرافيتي أدوات مثل البخاخ وقلم البويا، وفي الفترة الأخيرة دأبت شركات عالمية على إنتاج أفضل أنواع البخاخات والأقلام ومنها شركة مونتانا الألمانية ويليها شركة مونتانا الإسبانية، عُرف فنانون كبار برعوا في هذا الفن، منهم: كورنيبرد وتوبكات وتراسي.
لم يكن هذا الفنّ معروفاً في سوريا. ولطالما كانت الجدران العامة مخصصة لأقوال الرؤساء، أو للاحتفاء بالمناسبات الوطنية والقومية. ولم يكن ثمة خصوصية لافتة إلا في حمامات المدارس والكليات الجامعية في سوريا، إذ غالباً ما كانت العبارات المكتوبة على الجدران عبارات جنسية مقذعة. أمّا الظهور العلني الكبير لما يُسمى فن الغرافيتي في سوريا فكان في عام 2011، مع شيوع أنّ ما أشعل الانتفاضة السورية هو كتابات مناوئة للنظام خطّها أطفال على جدران مدرسة في مدينة درعا، لتنطلق بعد ذلك حرب الجدران وتتسع وتغدو حرباً سجالاً لا هوادة فيها: تمتلئ جدران الشوارع في الأحياء المعارضة بكتابات تطالب بالحرية ورحيل النظام، فلا يلبث أن يمحوها أهل النظام ويكتبوا مكانها العبارات التمجيد والوعيد.
أمّا في المقلب الآخر، فقد انشغلت جدران الأحياء الموالية بكتابات تشتم قنوات تلفزيونية مثل “الجزيرة” و”العربية” و”فرانس 24″، وأفراداً بعينهم افتُرِضَ أنهم كانوا وراء المؤامرة الكونية على سوريا. وهنا ما من أحد يمحو، بالطبع. هكذا انكبّت جدران شوارع المعارضة على إسقاط النظام فيما انشغلت شوارع الموالاة بإحيائه إلى الأبد، قرابة سنتين من بدء الانتفاضة.

لعلّ تغير الغرافيتي يعكس خذلان من بقي من الشباب السوري، مهما تكن أطيافهم، وخيبة أملهم التي لا تخفي نفسها

عكست هذه الحرب الصامتة على الجدران حالة البلد في العامين الأولين من الانتفاضة، ربما حتى نهاية عام 2013، لتختفي بعدها تلك الكتابات، أو ربما ليختفي أو يُغُيَّب من كانوا يكتبونها.
خيّم الصمت والسكون على الجدران إلى ما قبل عامين تقريباً. كانت تلك مرحلة ركود، لتظهر بعدها فورة من عبارات الحب والغزل وتشجيع الفرق الرياضية العالمية، حلّت محلّ العبارات السياسية السابقة. حتى في الشوارع التي تؤيد النظام ذلك التأييد المطلق، لم نعد نشاهد كتابات تنتقد المعارضة أو تشتمها. ما الذي تغير لدى الشباب السوري؟ أين اختفت تلك الروح التي كانت تهتف للحرية أو تندد بها؟ وفي أيّ أرض غارت تلك الأصوات؟
لقد نُكِّل بالصوت الهاتف للحرية بألف حربة وحربة. ومع تحول سوريا إلى ميدان حرب واسعة تتصارع فيها قوى سورية وإقليمية ودولية، التهمت الف حربة وحربة أعمار شباب من شتى الهتافات، ومن شتى المطامح ومن جميع التوجهات. وكثيرون ممن لم يموتوا غادروا المسلخ مبتعدين.
لعلّ تغير الغرافيتي يعكس خذلان من بقي من الشباب السوري، مهما تكن أطيافهم، وخيبة أملهم التي لا تخفي نفسها. خذلانٌ وخيبةٌ دفعا بهؤلاء الشباب إلى الانكفاء على أنفسهم والانكباب على أمورهم الشخصية، بعيداً عن الخوض في السياسة. ففي مكان أُنهكت فيه الروح ويكاد يزول منه كلّ حبّ، وكل فرح، وكل اعتبار لفردية الفرد وإنسانية الإنسان، يغدو ضرورياً نقش كل ذلك، تعبيراً عن استمرار الحياة، وتعبيراً عن وجود بشر طبيعيين في هذا المسلخ البشري الفائق للطبيعة.

 
×