– من إيمتى أنتو باللادقية يا ديبو؟

– ما بعرف… من زمان.

– قديش عمرك ديبو؟

– يمكن 12

– ليش عم تدخن؟

– …..

– ديبو شو بدك تصير لما تكبر؟

– بدي صير أستاذ كاتب

– بس يا ديبو حتى تصير أستاذ كاتب لازم تروح عالمدرسة وتتعلم

– يعني ما فيني صير أستاذ كاتب من غير ما روح على المدرسة؟”

 

ديبو واحد من آلاف الأطفال الذين خرجوا من مدنهم إثر اندلاع الحرب، ولم يلتحقوا بالمدراس في المدن التي نزحوا إليها.

يعمل ديبو مثل كثير من الأطفال المهجرين في بيع البسكويت أو الزهر أو يفترش الرصيف متسولاً. وكثيراً ما ترى كدمات على وجوه هؤلاء وعيونهم. وإذ تبادر إلى السؤال عن سر الكدمة يجيبك: “لم أعد البارحة إلى البيت بنقود فضربني أبي”. قد لا يكون الأب هو الضارب، أحياناً يكون صاحب العمل، “مدير المتسولين”، أو صاحب مهنة، مثل الحدادة وتصليح السيارات وغيرها، التحق بها الأطفال الذين حُرموا إمكان الالتحاق بالمدراس، إذ كيف يمكن لأسر باتت في حال من الفقر المدقع أو حتى في العراء أن ترسل أبناءها إلى المدرسة.

حققت سوريا قبل عام 2011 أعلى نسبة في الالتحاق بالمدارس بين دول الجوار، إذ بلغت نسبة الملتحقين بالمرحلة الابتدائية 97% ممن يجب أن يلتحقوا، لتصبح هذه النسبة في نهاية عام 2013 أقل من 50% بحسب دراسة مشتركة شاركت في إنجازها منظمتا “اليونيسف” و”مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين”، علمًا أن 2,8 مليون طفل في المرحلتين الابتدائية والثانوية ما زالوا حتى الآن خارج المدارس، وفق أرقام “اليونيسيف” لعام 2018.

كما ساهم خروج مدارس كثيرة عن العمل في مناطق الاشتباكات الساخنة في هبوط هذه النسبة، إذ بحسب “اليونسيف”، فإن ثلث المدارس بحلول العام ٢٠١٨ لم تعد صالحة للاستخدام، إما بسبب دمارها أو تضرّرها، أو تحوّلها إلى مراكز عسكرية في مناطق القتال ومراكز إيواء في المناطق الآمنة.

وتُقدَّر خسائر المؤسسة التعليمية بمليارات الدولارات، ناهيك عن الأطفال والمدرّسين الذين قضوا أثناء دوامهم المدرسي.

ومع استمرار الحرب للسنة الثامنة، باتت الدولة السورية تحت عتبة الاعتناء بمواطنيها من النواحي الاقتصادية والصحية والاجتماعية، فما بالك بالناحية التعليمية؟

لعلَّ هذا ما حدا بمؤسسات المجتمع المدني ومنظمة “اليونيسيف” إلى الاهتمام بالتعليم والمبادرة لسد العجز الذي أبدته وتبديه الدولة، على حد تعبير أحد مسؤولي الحماية في منظمة الأمم المتحدة للطفولة: “إذا لم نبادر الآن إلى إنقاذ هؤلاء الأطفال، فلن يفقدوا قيمهم فحسب، بل سيفقدون الأمل أيضاً”.

أنّى للجمعيات الأهلية أن تسدّ ثغرة بهذا الاتساع، خصوصاً أن كثيراً من الأطفال السوريين تسرّب من المدارس منذ أكثر من سبع سنوات وصار من الصعب تقديم العون لهم في تخطّي الأميّة؟

ومع أن منظمات مثل “اليونيسيف” قامت بحملات إعلانية كبيرة بمساعدة الدولة السورية لجذب الأطفال وإعادتهم إلى المدراس، إلا أن هذه الإعلانات الطرقية الفخمة، شأنها شأن تلك الإعلانات التي تبثها شاشة التلفزيون، لا تصل إلى الجمهور المقصود مهما كانت باذخة. وأمر هؤلاء البشر لا يقتصر على أنهم لا يملكون ترف التلفزيون ولا حتى ترف المشي في الشارع وتأمل اللوحات، بل تعدّى ذلك إلى أنهم باتوا في عوز شديد وفقدان للأمن الاجتماعي والمعيشي، ولم يعد يوسعهم التفكير بإرسال أولادهم إلى المدارس، بل إلى سوق العمل لتأمين قوتهم اليومي.

صُرِفت على هذه الإعلانات مبالغ طائلة لم تؤدِّ غرضها، وكان الأفضل توفيرها على هيئة مساعدات مادية لتمكين الأسر وسدّ احتياجاتهم المعيشية. ولعلها كانت تساعد تلك الأسر عندئذ على التفكير بإرسال أبنائها إلى المدارس. لكن الأدهى هو توقف المنظمات الدولية عن دعم الإغاثة مع بداية عام 2019 حتى بات السؤال: “ما العمل الآن؟” سؤالاً بدهياً لا بدّ منه.

عملت جمعيات أهلية في المدن السورية، ومنها اللاذقية التي لديّ اطلاع لا بأس به على عملها، على إعادة كثير من الأطفال إلى مدارسهم بإخضاعهم لدورات مكثفة في المواد الأساسية، كما أخذ بعضها على عاتقها الاهتمام بالأسر مادياً كي تتمكن من إرسال أبنائها إلى المدارس. ولكن أنّى للجمعيات الأهلية أن تسدّ ثغرة بهذا الاتساع أو تعيد جميع الأطفال إلى المدارس، خصوصاً أن كثيراً منهم تسرب منذ أكثر من سبع سنوات وصار من الأصعب بكثير تقديم العون لهم في تخطّي الأميّة ومعرفة القراءة والكتابة؟

يزداد وجع الكارثة التي يمثّلها هذا الوضع حين نعلم السرعة الكبيرة التي يتدهور بها الوضع المادي للأسر السورية من دون بصيص أمل في أي تطور ولو بسيط على هذا الصعيد. وثمة من يقدّر أن سوريا لن تستطيع قبل عشرين عاماً ترميم قطاعها التعليمي وإعادته إلى ما كان عليه قبل 2011.

هذا على مستوى التعليم الأساسي والأولي ومحو أمية الجيل القادم. ولعلّ الصورة الكارثية تتكامل بعض الشيء بالخبر الذي يبدو مؤكداً أنَّ مدرّساً أكاديمياً على رأس إحدى المنظمات الشعبية قد استقال أو أُقيل لعطب تزويري في بعض نتاجه العلمي الذي نال درجاته العلمية على أساسه، دع عنك المستوى العلمي لذاك النتاج. والحقيقة أن تكامل الصورة الفعلي لا يتم إلا حين نعلم الآلية “الانتخابية جداً” التي يُوصل بها مثل هؤلاء إلى حيث يصلون، بعدما أبدوا بالطبع جميع المؤهلات اللازمة كما هو واضح.

 
×