(من ورشة لكتابة اللاجئات السوريات في ألمانيا)

على شاطئ بحر البلطيق، شمال شرق ألمانيا، وقفتُ. وحين داعبت الأمواجُ قدميّ، لذعت برودتها حواف قلبي فأنعشته، وأحيت في خيالي أشباح الذاكرة.

لم أعتل قوراب المطّاط، ولم تنقصف ساقيّ أمام موج هائج أو رياح عاتية. أنا لست لاجئة، لكنّني بشرٌ مثل اللاجئين، لذلك بودّي أن أجعل لذكرى لجوئهم صوتاً يسمعه العالم.

في متحف التاريخ الألمانيّ في برلين، وقفتُ أمام لوحة لسفينة تحترق. تمتدّ ألسنة نيرانها حتّى تكاد تحرق جفنيَّ. يسقط ركّاب السفينة في الموج كأوراق الخريف تودّع أغصانها إلى هلاك. هم، كانوا أوروبيين، وكانوا يومها مهاجرين! أما اليوم، فقد أصبحوا ملجأ للآخرين!

كم دورة دار الزمان؟

الشوق، في الليل، إلى سوريا الحبيبة يقتلنا، وفي المنام، إن غمض لنا جفن، هو شوق لحوح مرهق

جميعنا مؤمنون بأنّها أرض كروية وتدور. لو تأمّلنا دورانها، هل كنّا لنصبح أكثر وعياً وإنسانية؟

إذاً، جئنا على اختلافنا واختلافاتنا إلى المكان ذاته، كلّ منّا لغاية في نفسه. يجمعنا أمل، أن لا بد للشمس أن تشرق، هنا، وإن كانت هناك، حيث وليّناها ظهورنا، في غروب.

لاجئ، مهاجر، أو عابر سبيل! هذه أرض، تَعِدُ تربتُها الخصبة أحلامَنا بالإزهار والازدهار. وبكثير من النسيان، تواسي طبيعتُها آلامنا. فالشوق، في الليل، إلى سوريا الحبيبة يقتلنا، وفي المنام، إن غمض لنا جفن، هو شوق لحوح مرهق.

ملامح سوريا واضحة، وكلّ تفصيل فيها يصدح بأصله. أمّا هنا، فبرلين مدينة تتلوّن بِقاعُها، بألوان بلدان الداخلين إليها والمقيمين فيها. نجد في أحد شوارعها لوناً كأنّه خصلة من شعر دمشق، وفي شارع آخر تستنشق شذى كأنه يعبق من عنقها.

نرى دمشق أشلاء وأجزاء، أمّا الكلّ فتحمله ذواكرنا. وصالها غاية، من أجلها، نعُدُّ الأيّام والساعات.

على كل حال، لنا هنا. ولنا بعض الحب. ألمانيا، هذي القوية باتت سنداً لنا ومرفأ لحطام نفوسنا الكبير. فإن ترعرعنا في ظلالها، شكرناها واحتضنّاها وفاء وعرفاناُ بالجميل. إن أرادت بتنا عمداً في بنائها. وإن نادت، هي كالحبيبة لا يُردّ نداؤها، فما جزاء الإحسان إلّا الإحسان.

كل منّا، شاء أو لم يشأ، بات مزيجاً ملوَّناً من تفاصيل حاضره الوفيرة هنا، ومن تفاصيل ماضيه الغزيرة، هناك.

 
×